
كتب شفيق طاهر في المدن
كتب شفيق طاهر في المدن
في سماء اليمن المليئة بالتعقيدات الجغرافية والتكتيكية، كان يفترض أن تتمتع الطائرات الأميركية الشبحية، وعلى رأسها F-35، بقدرة شبه مطلقة على تنفيذ مهامها الهجومية والاستخبارية. فالتكنولوجيا المتقدمة في تقليل البصمة الرادارية لطائرات الجيل الخامس صممت أساساً لمواجهة جيوش كبرى تمتلك منظومات رادارية متطورة. غير أن الغارات الأميركية والإسرائيلية، أظهرت أن هذه الأفضلية لا تترجم بالضرورة إلى حصانة، إذ برزت دفاعات حوثية تبدو بدائية للوهلة الأولى لكنها برعت في استغلال الحساسات الحرارية السلبية (IRST) لمحركات الطائرات والتكتيكات الدفاعية المتنقلة لتقييد حرية أحدث مقاتلات العالم.
“Rough Rider”: حملة أميركية اصطدمت بواقع جديد
في الخامس عشر من آذار/مارس 2025، دشنت واشنطن عملية “Rough Rider”، وهي أوسع حملة جوية لها في اليمن منذ سنوات. استهدفت العملية مواقع رادارية، مخازن للطائرات المسيرة، ومنصات إطلاق صواريخ. ومع ذلك، سرعان ما تسربت تقارير أميركية تشير إلى أن الحوثيين اقتربوا بشكل خطير من إسقاط طائرة F-35، إلى جانب اعتراض طائرات F-16 في الضربات الأولى.
كان ذلك بمثابة صدمة للقيادة الأميركية التي لطالما اعتبرت أن الطائرات الشبحية قادرة على التحليق بأمان فوق اليمن. النتيجة كانت تعديل سريع في الاستراتيجية، تقليل الاعتماد على الطيران المأهول في المهام المباشرة، وزيادة استخدام الذخائر بعيدة المدى لتقليل المخاطر. هذه الاستجابة العاجلة عكست حجم التهديد غير المتكافئ الذي فرضته وسائل بسيطة، ولكنها فعّالة.
منصات مرتجلة… لكنها تعرف كيف تقتل
ترسانة الحوثيين لم تتكون من منظومات دفاعية متكاملة كالتي تمتلكها روسيا أو الصين، بل من خليط غير متجانس جمع بين القديم والمعاد تدويره. أبرز المكونات شملت:
• صواريخ جو–جو معاد تدويرها: مثل R-73 والصواريخ السوفياتية R-27 وR-77، والتي حولت إلى صواريخ أرض–جو محلية وأُطلق عليها أسماء “ثاقب-1/2/3”.
• الصاروخ الإيراني 358 (“صقر”): سلاح متوسط المدى بقدرة على التحويم في السماء قبل الانقضاض على الهدف، وهو ما يمنحه عنصر المفاجأة.
• منظومات متنقلة قديمة: مثل SA-6 السوفياتية التي تعود لستينيات القرن الماضي، لكنها أعيد تشغيلها بطرق غير تقليدية.
ما منح هذه الترسانة قوة لم يكن التقنية بحد ذاتها، بل الاعتماد على الحساسات الحرارية السلبية، التي لا تصدر إشارات يمكن تعقبها. فبينما الرادار التقليدي يرسل موجات تكشف موقعه، تظل الحساسات الحرارية “صامتة” إلى أن تحين لحظة الإطلاق. هذا الأمر قلص من زمن رد الفعل لدى الطيارين الأميركيين، وجعل المفاجأة عنصراً مركزياً في تكتيكات الحوثيين.
ضربات إسرائيلية بلا أثر: منصات تختفي لتعود أقوى
في أواخر شهر أيلول/سبتمبر 2025، شنت إسرائيل غارات على صنعاء والحديدة، معلنة أنها دمرت منصات صاروخية حوثية. غير أن ما جرى بعد ذلك كان محبطاً لها، بث الحوثيون مقاطع مصورة تظهر استمرار عمل دفاعاتهم واعتراض أهداف جوية.
السر لم يكن في قدرة هذه الأنظمة على الصمود أمام القصف، بل في مرونتها العالية. فالمكونات الدفاعية نقلت على عربات مدنية، وأُخفيت في مناطق ريفية، ثم أُعيد نشرها بعد ساعات من الضربات. وبذلك تحوّلت العملية الإسرائيلية إلى إنجاز دعائي قصير الأجل، بدون أثر عملي طويل المدى. وهو درس مشابه لما واجهته واشنطن في عملية “Rough Rider”.
الحرارة تكسر صمت الشبحية
رغم أن الـF-35 صُمّمت لتكون غير مرئية تقريباً أمام الرادارات التقليدية، إلا أن الشبحية لا تلغي البصمة الحرارية للطائرة. هنا تبرز ثلاث ثغرات أساسية:
1. لحظة فتح حجرات الأسلحة الداخلية: أي عند إخراج الذخائر من الحجرة الداخلية، تتغير البصمة الرادارية للطائرة مؤقتاً، مما يجعل الطائرة أكثر عرضة للكشف لبضع ثوان.
2. الحساسات السلبية: أنظمة IRST ((نظم البحث والتعقّب بالأشعّة تحت الحمراء) لا تصدر إشارات، وبالتالي لا يمكن لنظام الإنذار الإلكتروني الأميركي AN/ASQ-239 التقاطها مسبقا.
3. الفارق الزمني المحدود: عند اكتشاف الصاروخ الحراري المقترب، يبقى أمام الطيار وقت قصير جدا للمناورة أو إطلاق الشعلات الحرارية، وهو فارق قد يكون قاتلا.
هذه الثغرات تفسر كيف تمكنت أنظمة تبدو بدائية من تهديد طائرة هي الأحدث في العالم.
اصطد ثم اختف تكتيكات تربك السماء
اعتمد الحوثيون أسلوبا تكتيكياً بسيطاً لكنه فعّال:
• التقاط الهدف ومتابعته عبر الكاميرات الحرارية.
• نقل التتبع من الكاميرات الى الرادار الذي يشغل في اللحظة الأخيرة فقط لتأكيد التتبع.
• إطلاق صاروخ الدفاع الجوي ثم الانسحاب السريع.
هذا النمط حول السماء اليمنية إلى ساحة مطاردة مستمرة. فالطيار الأميركي يجد نفسه مضطراً إلى استنزاف ذخائر باهظة الثمن لتعقب منصات قد تختفي بسرعة أو تنقل إلى موقع جديد خلال ساعات.
من بلغراد إلى صنعاء التاريخ يعيد نفسه
ليست هذه هي المرة الأولى التي تفقد فيها الطائرات الشبحية هالتها. ففي حرب كوسوفو عام 1999، أسقط الصرب طائرة F-117 الأميركية الشبحية بصاروخ سوفياتي قديم من طراز SA-3، مستفيدين من تكتيكات ذكية وكمائن رادارية. واليوم، يعيد الحوثيون إنتاج المشهد نفسه لكن بوسائل أكثر تواضعا.
حتى قبل 2025، تمكن الحوثيون من إسقاط عدد من طائرات الاستطلاع الأميركية MQ-9 باستخدام منظومات SA-6، ما أعطى إنذاراً مبكراً بأن الدفاعات “المهجّنة” قد تتحول إلى معضلة حقيقية. التاريخ إذاً يبرهن أن التفوق التكنولوجي وحده لا يضمن النصر.
حذر أميركي بتكلفة باهظة
أمام هذه التهديدات، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات كلها باهظة:
• الذخائر بعيدة المدى: استخدامها يقلل المخاطر على الطيارين لكنه يرفع التكلفة التشغيلية بشكل كبير.
• مهام SEAD/DEAD المستمرة: قمع الدفاعات (SEAD) أو تدميرها بالكامل (DEAD) يتطلب طلعات متكررة ومخاطرة دائمة.
• الاستعداد لعمليات CSAR: أي إسقاط لطائرة مأهولة سيجبر الأميركيين على إرسال مروحيات إنقاذ إلى بيئة شديدة الخطورة، ما يضاعف المخاطر البشرية.
كل هذه الإجراءات جعلت السماء اليمنية ساحة اختبار قاسية للشبحية الأميركية.
درس عالمي الهيمنة الطيفية على المحك
ما حدث في اليمن لم يكن مجرد تحدٍ محلي. فالحساسات الحرارية السلبية (IRST) أصبحت جزءاً من العقائد الدفاعية في روسيا والصين أيضاً. وهو ما يهدد مفهوم “الهيمنة الطيفية” الذي تبنته وزارة الدفاع الأميركية، أي السيطرة على كل أطياف الكشف والرصد.
لذلك، تتجه الجهود حالياً نحو:
• تقليل البصمة الحرارية لمحركات الطائرات الشبحية.
• تعزيز خوارزميات الإنذار المبكر لاكتشاف الصواريخ الحرارية في وقت كاف.
• دمج أعمق بين الطائرات الشبحية ومنصات الحرب الإلكترونية غير الشبحية التي يمكنها التشويش على أنظمة العدو.
بكلمات أخرى، اليمن كانت بمثابة “جرس إنذار عالمي” لكل القوى الجوية الكبرى.
الشبحية سلاح قوي… لا درع مطلق
أثبتت تجربة اليمن أن الشبحية تمنح ميزة مهمة، لكنها لا توفر ضمانة مطلقة. فخصم يمتلك أدوات قديمة لكنه يعرف كيف يستخدمها بذكاء، يستطيع أن يفرض معادلة جديدة ويجبر القوة المتفوقة على إعادة حساباتها.
في النهاية، لا تزال الطائرات الشبحية عرضة للحظة خطر قد تأتي من صاروخ مرتجل، لكنه مدار بعقل تكتيكي مرن. الدرس واضح، التفوق التقني يحتاج دائماً إلى مرونة تكتيكية، وإلا فقد يتحول إلى عبء استراتيجي بدل أن يكون درعاً واقياً



