
سوريا تستعيد موقعها دولياً. ولبنان يترنح على صخرة الروشة
سوريا تستعيد موقعها دولياً. ولبنان يترنح على صخرة الروشة
بينما تحولت صخرة الروشة إلى ساحة تجاذب داخلي يعكس عمق الانقسام اللبناني حول مفهوم الدولة ودورها، كانت نيويورك تشهد مشهداً مغايراً تماماً مع الحضور السوري اللافت في أروقة الأمم المتحدة. ففي بيروت، انقسم اللبنانيون بين من اعتبر الفعالية عند الروشة تثبيتاً لـ”هوية المقاومة”، وبين من رآها تعدياً على هيبة الدولة ومحاولة لتقويض سلطتها. مشهدية اختلطت فيها السياسة بالرمزية، وأظهرت لبنان عالقاً بين الغرق في مستنقعات الانقسام وبين البحث عن هوية جامعة لم تكتمل.
في المقابل، برزت سوريا في المشهد الدولي عبر خطاب رئيسها أحمد الشرع ولقاءاته المتعددة، ما عكس محاولة لإعادة صياغة دورها وإعادة إدماجها في المنظومة الغربية. حضور الشرع بدا كأنه تتويج لـ”سوريا جديدة”، إذ لقي ترحيباً في الأوساط الدبلوماسية وفتحت أمامه قنوات سياسية واقتصادية، فيما شددت مواقف عربية وغربية على دعم وحدة سوريا ووقف الاعتداءات الإسرائيلية عليها.
هذا التباين بين المشهدين يكرس مفارقة واضحة: سوريا تحصد دعماً واحتضاناً دولياً بعد سنوات من العزلة، فيما لا يزال لبنان يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية تعطل قدرته على استعادة عافيته السياسية والأمنية. القوى الدولية، وفق دبلوماسيين، تنظر إلى بيروت باعتبارها متأخرة عن دمشق في مسار التكيف مع المتغيرات، ما يعزز الدعوات إلى أن يسير لبنان على خطى سوريا أو يسعى على الأقل لترتيب علاقاته معها كي لا يفوّت فرص المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والاستثمارات المقبلة.
في نيويورك، أظهرت اللقاءات الدبلوماسية أن إسرائيل باتت أكثر عزلة في ظل استمرار حربها على غزة واعتداءاتها المتكررة على سوريا ولبنان. ومع ذلك، تبقى ملفات عالقة في المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب، من أبرزها مصير الجولان ونقاط المراقبة والجنوب السوري. الشرع رفض لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في رسالة واضحة بأن الحرب المستمرة لا تسمح بأي مسار سياسي مباشر.
المحصلة تكشف مشهداً مزدوجاً: سوريا تسعى إلى الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى موقع سياسي مقبول دولياً، فيما يواصل لبنان السير في حقل ألغام داخلي قابل للانفجار في أي لحظة، من دون أن يملك بعد خريطة طريق واضحة للخروج من أزماته.



