
بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب
بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب
هو يومٌ قتاليّ مفصليّ، على صعيد تثبيت مسار التوغّل الإسرائيليّ أكثر ممّا هو يوم اندفاعةٍ خاطفة. إسرائيل تواصل تقديم تحرّكها البرّيّ بوصفه جزءًا من “جهدٍ دفاعيٍّ أماميّ”، فيما يظهر مسار التطوّرات أنّها تسعى، عمليًّا، إلى بناء شريط ضغطٍ متدرّجٍ يمتدّ من الساحل إلى العمق الحدوديّ، ويستند إلى المزج بين القوّة الجويّة، والنار المدفعيّة، والعمل البرّيّ الموضعيّ. أمّا في المقابل، فإنّ “حزب الله” يتعامل مع هذا المسار بوصفه محاولة فرض معادلةٍ جديدة، لا بدّ من منع استقرارها، أو على الأقلّ رفع كلفتها إلى الحدّ الأقصى.
الساحل من الناقورة إلى البيّاضة والمنصوري، والوسط حول بنت جبيل عبر عيناثا ورشاف ومحيط دبل، والشرق من الخيام إلى الخطّ الواصل نحو مرجعيون وإبل السقي ودبّين، هي المحاور الأساسيّة. وفي وقتٍ لا توجد في تقارير اليوم أي إشارة موثّقة إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ أحكم سيطرةً ثابتةً على كلّ ما دون الليطاني، لكنّ الصورة العمليّة تشير إلى شريط احتلالٍ آخذٍ بالاتّساع، يتقدّم بالهدم والتفجير والتمشيط.
المحور الغربيّ: تثبيت الساحل بالنار
في الغرب، تبدو الصورة أوضح من سواها، إسرائيل تعزّز مواقعها على الساحل في قضاء صور، مع استمرار التدمير في الناقورة، الّتي تتحدّث خرائط وتقارير اليوم عن أنّها واقعةٌ فعليًّا ضمن مجال السيطرة الإسرائيليّة، فيما يتواصل تفجير المنازل والطرقات فيها. ومع فجر اليوم، أفادت تغطياتٌ ميدانيّةٌ بأنّ مروحيّات “أباتشي” أطلقت النار على الشريط الساحليّ من البيّاضة إلى المنصوري، بالتزامن مع اشتباكاتٍ على الأرض، ومع تقارير عن استهداف مقاتلي “حزب الله” قوّاتٍ إسرائيليّةً كانت تتقدّم نحو الطريق الساحليّ قرب البيّاضة. أمّا من جهة “حزب الله”، فوسائله الإعلاميّة قالت إنّه أطلق فجرًا صلياتٍ صاروخيّةً على نهاريا وشلومي وليمان وحورفيش.
المحور الأوسط: بنت جبيل عنوان اليوم
المحور الأوسط هو الجبهة الأثقل اليوم بلا منازع. فقد تحدّثت تقارير ميدانيّة عن اشتداد القتال خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية حول بنت جبيل، مع مؤشّراتٍ على أنّ الجيش الإسرائيليّ دخل قرى محيطةً بها، بينها رشاف وعيناثا، في محاولة تطويق المدينة لا اقتحامها مباشرةً من نقطةٍ واحدة. وإلى جانب هذا الضغط البرّيّ، سجّلت غاراتٌ ليليّةٌ على بنت جبيل وحنين وكونين والطيري، وقصفٌ مدفعيٌّ على برعشيت الشرقيّة، فيما استمرّ تفجير ما تبقّى من منازل في عيتا الشعب. في هذا المحور تحديدًا، تبدو المعركة أقرب إلى لعبة التفافٍ إسرائيليةٍ حول المراكز المأهولة، في مقابل دفاعٍ مرنٍ من “حزب الله” قائمٍ على الكمائن ومنع تحويل التقدّم إلى سيطرةٍ رخيصة. لهذا السبب بالذات، تبقى بنت جبيل أكثر من بلدة، إنّها عقدة المعنى العسكريّ والسياسيّ معًا
المحور الشرقيّ: تثبيتٌ في الخيام
في الشرق، لا توحي معطيات اليوم باندفاعةٍ إسرائيليّةٍ عميقةٍ جديدة، بل بميلٍ إلى تحصين ما تحقّق سابقًا. خرائط اليوم الميدانيّة تتحدّث عن أنّ الجيش الإسرائيليّ “يبدو” أنّه أحكم موقعه في الخيام أو بات يتصرّف انطلاقًا من فرضيّة تثبيت قبضته فيها، فيما أوردت تقارير ميدانيّة اليوم أنّ خطّ مرجعيون، إبل السقي، دبّين بات خطًّا “ساخنًا جدًّا”، وهو ما ظهر أيضًا في إلغاء زيارةٍ بابويّةٍ كانت مقرّرةً إلى قرى حدوديّةٍ بسبب عدم توافر الضمانات الأمنيّة. معنى ذلك أنّ الشرق اليوم ليس جبهة اقتحامٍ صاخب، بل جبهة تثبيتٍ عسكريّ وتقطيع أوصال، مع بقاء إمكان التوسّع منها قائمًا إذا ما خفّ ضغط الوسط
أي يُمكن القول أنّ الجيش الإسرائيليّ، وصل إلى مستوى سيطرةٍ أو حضورٍ ناريٍّ وموقعيٍّ ثابتٍ في الناقورة والشريط الساحليّ المتقدّم غربًا، وإلى مستوى ضغط تطويقٍ متصاعدٍ حول بنت جبيل عبر عيناثا ورشاف ومحيط دبل في الوسط، وإلى مستوى تثبيتٍ متقدّمٍ في الخيام ومحيطها شرقًا، مع بقاء خطوط مرجعيون والدروب المؤدّية إلى القرى المسيحيّة والشرقيّة ضمن منطقة الخطر الميدانيّ العالي. لكنّ هذا الوصول ليس سيطرةً مريحةً أو منخفضة الكلفة، بل انتشارٌ تحت النار، يترافق مع هدمٍ واسعٍ ومحاولات تأمين العمق عبر تدمير القرى والطرق.
اشتباكات اليوم لم تكن نمطًا واحدًا. في الغرب، هي مزيجٌ من تقدّمٍ إسرائيليٍّ على الساحل ورمايات “أباتشي” وقصفٍ تغطيه اشتباكاتٌ أرضيّةٌ قرب البيّاضة والمنصوري. في الوسط، هي معركة تطويقٍ حول بنت جبيل مع غاراتٍ ليليةٍ وقصفٍ مدفعيٍّ وعمليات تفجيرٍ للمنازل. وفي الشرق، هي معركة تثبيتٍ وضغطٍ ناريّ على خطوط الحركة أكثر منها معركة اختراقٍ واسع. وبحسب قراءة اليوم الميدانيّة، فإنّ “حزب الله” يفضّل جعل كلّ تقدّمٍ إسرائيليٍّ قابلًا للتحوّل إلى كمينٍ مؤجّل، بدل خوض نمط “التشبّث الثابت” بكلّ بلدةٍ وحدها.
خلاصة اليوم هي أنّ إسرائيل اليوم لم تستطع حتّى اللحظة رسم خريطة جديدة نهائيّة في الجنوب، بل أنّها كثّفت مفاعيل الخريطة الّتي كانت ترسم منذ أيّام، الغرب لتثبيت الشريط الساحليّ المحتلّ، والوسط للضغط على بنت جبيل وتطويقها، والشرق لتحويل الخيام ومحيطها إلى قاعدة ارتكازٍ متقدّمة. وفي المقابل، لم يظهر أنّ “حزب الله” فقد القدرة على الإيذاء داخل هذه الأحزمة، بل إنّ طبيعة الاشتباكات اليوم توحي بأنّه يحاول إبقاء التوغّل مكلفًا، ومتحرّكًا، وغير قابلٍ للتحوّل السريع إلى احتلالٍ مستقرّ.






