اقليمي

إسرائيل تُصعّد في جنوب لبنان: تكتيك “الأرض المحروقة” يرسم ملامح منطقة عازلة ويهدد بتغيير الجغرافيا

إسرائيل تُصعّد في جنوب لبنان: تكتيك “الأرض المحروقة” يرسم ملامح منطقة عازلة ويهدد بتغيير الجغرافيا

يتجه المشهد الميداني في جنوب لبنان نحو تصعيد متسارع، في ظل اعتماد إسرائيل استراتيجية عسكرية تقوم على فرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدةً من الانقسام السياسي الداخلي اللبناني. وتبدو الحكومة الإسرائيلية ماضية في تنفيذ خطة تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة جنوبًا، عبر عمليات عسكرية متدرجة تترافق مع قصف جوي مكثف خلّف عشرات الضحايا وآلاف النازحين.

وبحسب المعطيات الميدانية، ترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة مستويات متكاملة. يبدأ المستوى الأول بتدمير القرى الحدودية وإفراغها من سكانها، ما يحوّلها إلى مناطق غير قابلة للحياة في المدى القريب، ويفرض واقعًا جغرافيًا جديدًا يتجاوز الطابع المؤقت للعمليات العسكرية. أما المستوى الثاني، فيقوم على التقدم التدريجي نحو القرى الواقعة خلف الخط الأمامي، بهدف توسيع العمق الأمني وتعزيز القدرة على السيطرة الميدانية، بما يصعّب أي محاولة لبنانية لاستعادة المبادرة.

وفي المرحلة الثالثة، تسعى إسرائيل للوصول إلى مناطق أبعد بين نهري الليطاني والزهراني، في محاولة لإخراج الجنوب اللبناني من دائرة التهديد المباشر، وفرض معادلة ميدانية يصعب التراجع عنها في أي مفاوضات مستقبلية.

ورغم هذا التقدم، تشير التقديرات العسكرية إلى بطء نسبي في العمليات، يُعزى جزئيًا إلى شدة المواجهات مع “حزب الله”، الذي يواصل تنفيذ هجمات مكثفة على مواقع إسرائيلية، إضافة إلى اعتماد تكتيك عسكري قائم على التقدم الحذر تحت غطاء ناري كثيف، وهو أسلوب سبق أن استخدم في قطاع غزة لتقليل الخسائر البشرية وتثبيت مواقع قابلة للدفاع.

في المقابل، تعكس تصريحات عسكرية إسرائيلية الحاجة إلى تعزيز القوات المنتشرة في الجنوب، ما يشير إلى نية البقاء لفترة طويلة، بالتوازي مع ضغوط تواجهها المؤسسة العسكرية نتيجة تعدد الجبهات من غزة إلى الضفة الغربية وسوريا.

سياسيًا، يبرز غياب موقف لبناني موحّد قادر على مواكبة خطورة التطورات، وسط دعوات رسمية لتعزيز التضامن الداخلي وتفعيل الجهود الدبلوماسية لوقف التصعيد. إلا أن التباينات السياسية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد، ما يحدّ من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة.

ميدانيًا، تتواصل الغارات الإسرائيلية العنيفة على قرى الجنوب ومناطق شمال الليطاني، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة ومحاولات توغل بري. كما امتد التصعيد إلى الضاحية الجنوبية لبيروت عبر ضربات جوية استهدفت مباني سكنية، في عمليات يُعتقد أنها تحمل طابعًا أمنيًا دقيقًا.

في المقابل، يواصل “حزب الله” تصعيد هجماته، مستهدفًا مواقع عسكرية ومناطق مدنية في شمال إسرائيل، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، في ظل تبادل مستمر للضربات يعكس ارتفاع مستوى المواجهة.

وتشير المؤشرات إلى أن إسرائيل ماضية في توسيع عملياتها وفرض شريط أمني بعمق يصل إلى عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة تهدف إلى تكريس واقع ميداني جديد طويل الأمد.

في ظل هذا التصعيد، يبدو لبنان أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات العسكرية مع الأزمات السياسية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تغييرات عميقة في الجغرافيا والتوازنات، يصعب احتواؤها لاحقًا، خاصة في ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة التطورات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce