
لبنان خسر 11 مليار دولار في شهرين
لبنان خسر 11 مليار دولار في شهرين
كتبت رنى سعرتي في “نداء الوطن”:
منذ أن بدأت أسعار الذهب ترتفع عالميًا، وعلت المطالب في لبنان بضرورة الاستفادة من احتياطي مصرف لبنان من الذهب واستغلال موجة صعود الأسعار التي بلغت مستويات قياسية تاريخية جعلت لبنان يتمتع بثروة باهظة بلغت في مطلع العام الحالي حوالى 50.8 مليار دولار عندما لامس سعر أونصة الذهب الـ5500 دولار. وبما أن احتياطي الذهب هو عبارة عن أصول كان يجب استثمارها على غرار أي نوع من الأصول الأخرى، إلا أن الدولة لم تستجب لاقتراحات استغلال هذه الثروة لتحقيق الأرباح رغم أن البلاد والقطاع المصرفي بأمسّ الحاجة للسيولة النقدية الأجنبية لمعالجة تداعيات الأزمة المالية التي لم يجد أحد حلًّا لها منذ العام 2019.
حصل ما كان في الحسبان وعادت أسعار الذهب لتتراجع عالميًا بنسبة قياسية تاريخية أيضًا بلغت 19 في المئة مقارنة بمستويات أواخر كانون الثاني الماضي، و11 في المئة في غضون أسبوع وهي أكبر خسارة أسبوعية منذ العام 1983، ليصل سعر أونصة الذهب يوم الثلاثاء إلى 4300 دولار ويخسر لبنان 11 مليار دولار في غضون شهرين فقط، وتتراجع قيمة ثروته من الذهب إلى حوالى 39.8 مليار دولار (احتياطي الذهب يبلغ 9.25 ملايين أونصة).
فهل هذا التراجع موقت أو أنه مسار تصحيحي لأسعار الذهب عالميًا؟
أسباب متعدّدة وراء تراجع أسعار الذهب عالميًا أبرزها الضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب. علمًا أن المخاطر الجيوسياسية تدفع عادةً الطلب على الملاذات الآمنة، مما يدعم الذهب على وجه الخصوص. ومع ذلك، فقد زادت الحرب من المخاوف بشأن انقطاع إمدادات الطاقة، مما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وعزز ضغوط التضخم. كما أدّى ذلك إلى ارتفاع مؤشر الدولار ورفع العوائد الحقيقية، وكلاهما عاملان معاكسان للذهب. وقد دفعت قوّة الدولار الأميركي المستثمرين أيضًا إلى الابتعاد عن الاستثمار في المعدن الأصفر، رغم أن التوقعات طويلة الأجل لا تزال إيجابية حول أسعار الذهب.
يحصل تراجع أسعار الذهب عالميًا عادة بسبب مجموعة عوامل اقتصادية ومالية متداخلة، وليس بسبب واحد فقط. تكمن هذه الأسباب في الفترة الأخيرة في:
– ارتفاع الدولار الأميركي، عندما يرتفع مؤشر الدولار، يصبح الذهب أعلى كلفة على المستثمرين في باقي الدول. مما يؤدي إلى انخفاض الطلب عليه، ويتراجع سعره.
– تؤدي التوقعات برفع أسعار الفائدة إلى تراجع الذهب أيضًا لأن احتياطي الذهب المجمّد لا يدرّ أرباحًا ولا فوائد. وبالتالي عندما ترتفع الفائدة، يفضل المستثمرون استثمار أموالهم في المصارف أو في السندات بدلًا من الذهب.
– جني الأرباح من ارتفاع سعر الذهب يجعل السوق تقوم بعملية تصحيح. بعد ارتفاع قوي وسريع للذهب، يقوم المستثمرون ببيع ما لديهم لتحقيق الأرباح. وتؤدي عمليات البيع الجماعية الكبيرة إلى انخفاض السعر.
– ارتفاع التضخم بسبب الطاقة والحروب: أدّى ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات في الشرق الأوسط إلى زيادة التضخم. مما دفع البنوك المركزية للتشدد ورفع الفائدة، وهو ما يعتبر ضغطًا سلبيًا على الذهب.
– تغيّر سلوك المستثمرين رغم الأزمات: يرتفع عادةً الذهب في زمن الحروب، إلا أن المستثمرين يتجهون حاليًا للدولار أكثر أو يعيدون تقييم المخاطر.
– عمليات بيع متسلسلة في السوق: عندما يبدأ السعر بالانخفاض، يشعر بعض المستثمرين بالخوف مما يؤدي إلى تسارع في الهبوط بسبب البيع الجماعي.
في هذا الإطار، أوضح الخبير في الأسواق المالية ميشال قزح أن الانخفاض الذي حصل في أسعار الذهب أعاده إلى مستويات كانون الأول 2025 ، علمًا أن الصعود الأخير كان قطعيًا ( parabolique)، وكان من الحتميّ أن يعاود التصحيح لأسباب عديدة منها أزمة السيولة التي تعاني منها الأسواق خصوصًا في دول الخليج التي تشهد خروج رؤوس الأموال إلى سويسرا ولوكسمبورغ وغيرهما، مما اضطرها إلى تسييل جزء من احتياطي الذهب لديها لتغطية النقص الحاصل في تلك السيولة ولتجنب فرض أي إجراءات للسيطرة على رأس المالي أي capital control أو لتجنب أي تلاعب في سعر صرف العملات.
وأشار قزح لـ “نداء الوطن” إلى أن السبب الثاني لتراجع أسعار الذهب هو ارتفاع مؤشر الدولار الأميركي نتيجة الحرب، والفائدة الأميركية التي أبقاها الاحتياطي الفدرالي مستقرّة وأعلن عن التروّي حاليًا قبل إقرار أي خفض في أسعار الفائدة. معتبرًا أنه في المرحلة المقبلة، سيصار حتمًا إلى خفض الفائدة نتيجة الضغوط التضخمية ودخول الاقتصادات في مرحلة ركود، لافتًا إلى أن هذا السيناريو، الركود التضخمي، يجعل الفدرالي الأميركي في وضع متقلّب حيث يزيد الفائدة تارة ويخفضها تارة أخرى، مما يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق.
واعتبر قزح أن الذهب، عند انتهاء الحرب في أواخر نيسان، سيعاود مساره الصعودي ليصل إلى مستويات ما بين 5000 إلى 5500 دولار للأونصة في 2026. وبالتالي ينصح عدم المتاجرة بالذهب حاليًا لأن هناك تلاعبًا كبيرًا بالأسعار.
حول احتياطي مصرف لبنان من الذهب، رأى أن خسارة مصرف لبنان في قيمة الذهب هي خسائر دفترية حيث لا يقوم لا ببيع ولا بشراء الذهب.



