مقالات

لبنان في حلقة الانهيار: توازنات مكسورة وخيارات بلا أفق للحسم

لبنان في حلقة الانهيار: توازنات مكسورة وخيارات بلا أفق للحسم

يتجه لبنان نحو مرحلة أكثر تعقيداً في ظل تصاعد الأزمات الداخلية وتداخلها مع التطورات الإقليمية، حيث لم تعد الحرب الدائرة سوى عامل مسرّع لكشف هشاشة البنية السياسية التي بلغت حدودها القصوى. فمنذ سنوات، قام التوازن الداخلي على صيغة غير مستقرة سمحت بوجود قوة سياسية وعسكرية وازنة تتحكم بمسار القرار العام دون أن تتحمل كامل مسؤوليات الحكم، في مقابل معارضة بقيت محكومة بسقف هذا التوازن.

ومع انتقال المواجهة العسكرية إلى مستوى أكثر وضوحاً، خرج هذا التوازن من الإطار الضمني إلى العلن، ما أدى إلى تعرّضه لاختبار قاسٍ كشف نقاط ضعفه. فالأدوات التي شكّلت في السابق عنصر قوة، تحولت مع اشتداد الصراع إلى مصدر كلفة متزايدة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، حيث باتت تداعيات الحرب تمسّ مختلف مكونات المجتمع.

في المقابل، لم تنجح الدولة في استعادة دورها الفعلي، إذ بقي حضورها محصوراً في الخطاب السياسي من دون امتلاك القدرة على فرض سيادتها أو احتكار القرار الأمني. هذا الواقع أفرز حالة من الازدواجية في الشرعية، حيث تتقاطع محدودية الدولة مع عجز القوى الأخرى عن تقديم بديل مستقر، ما يؤدي إلى تكريس فراغ سياسي يتغذى من نفسه ويعيد إنتاج الأزمات.

ولا يقتصر المشهد على الداخل، بل يتداخل مع تحولات إقليمية تعيد رسم موقع لبنان ضمن توازنات جديدة، في وقت تتآكل فيه فعالية المؤسسات وتتراجع قدرتها على إدارة الأزمات. وبين ضغط الخارج وتعقيدات الداخل، تبدو البلاد عالقة في مسار متسارع من دون الوصول إلى نقطة حسم واضحة.

في هذا السياق، تتراجع جدوى الخيارات المطروحة، إذ إن العودة إلى الصيغ السابقة تبدو غير قابلة للحياة، فيما لا تحمل المواجهات المفتوحة أي ضمانة لتحقيق نتائج حاسمة، أما التسويات الخارجية فتأتي غالباً على شكل إعادة توزيع للخسائر وفق موازين قوى لا يملك لبنان التأثير فيها.

أمام هذا الواقع، يجد لبنان نفسه في دائرة مغلقة من الأزمات المتشابكة، حيث يؤدي كل مسار محتمل إلى إنتاج تحديات جديدة، ما يعمّق حالة عدم الاستقرار ويؤخر الوصول إلى أي مخرج فعلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce