
بالخرائط والتفاصيل: كيف يتقدّم التوغّل الإسرائيلي في جنوب لبنان عبر ثلاثة محاور ميدانية؟
بالخرائط والتفاصيل: كيف يتقدّم التوغّل الإسرائيلي في جنوب لبنان عبر ثلاثة محاور ميدانية؟
تشهد الحدود الجنوبية للبنان تصعيدًا ميدانيًا متسارعًا، حيث اتسعت رقعة الاشتباكات على أكثر من محور في وقت واحد، ما يشير إلى انتقال العمليات العسكرية الإسرائيلية من محاولات توغّل محدودة ومتقطعة إلى نهج ضغط ميداني متدرّج يجري تنفيذه على جبهات متعددة. ويبدو أن الهدف من هذه العمليات هو تثبيت وقائع عسكرية جديدة في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، وتهيئة الظروف لمرحلة قد تنتقل فيها العمليات من توغلات موضعية إلى انتشار أوسع في حال توفرت ظروف ميدانية مناسبة.
وتزامن هذا التصعيد العسكري مع ارتفاع حدة الخطاب السياسي في إسرائيل، حيث طُرحت مجددًا فكرة رسم حدود أمنية جديدة تمتد حتى نهر الليطاني. وفي الميدان، واصل الجيش الإسرائيلي استهداف الجسور والمعابر والبنى السكنية، في خطوة تبدو مرتبطة بمحاولة تغيير قواعد الاشتباك وتوسيع نطاق الضغط العسكري بما يتجاوز العمليات الردعية المحدودة، وصولًا إلى فرض شريط أمني أوسع وأكثر عمقًا.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن استهداف الجسور فوق الليطاني والتهديد بضرب معابر إضافية في القطاع الشرقي لا يهدف فقط إلى إضعاف القدرات العسكرية للخصم، بل أيضًا إلى عزل مناطق الاشتباك عن خطوط الإمداد والعمق البشري واللوجستي. وبهذه الطريقة تسعى القوات الإسرائيلية إلى تحويل القرى الحدودية إلى مناطق معزولة يسهل تطويقها أو اقتحامها أو استهدافها بالنيران من دون الحاجة إلى اندفاعة سريعة نحو عمق الأراضي اللبنانية. ويعكس ذلك نمطًا من العمليات التمهيدية التي تقوم على خنق طرق الإمداد واستنزاف القوى المدافعة وتوسيع نقاط التماس الحدودية.
على المحور الشرقي، الممتد بين كفرشوبا وحلتا ومحيطهما، تبدو التحركات العسكرية ذات دلالة واضحة على محاولة فتح ممر ضغط جديد باتجاه منطقة حاصبيا وربط الجبهة الحدودية بمسارات تقود نحو البقاع الغربي. وتشير المعلومات إلى تحرك رتل من الدبابات من مرتفعات كفرشوبا باتجاه أطراف حلتا عبر منطقة شانوح، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف كفرشوبا وكفرحمام. وتُفهم هذه التحركات في إطار اختبار قدرة القوات الإسرائيلية على فتح محور إضافي قد يسمح لاحقًا بعزل المعابر الشرقية المؤدية إلى الداخل اللبناني، خصوصًا مع التهديد باستهداف جسر دلافة الذي يربط حاصبيا بالبقاع.
في التقدير العسكري، لا يمثل الضغط على حلتا هدفًا تكتيكيًا منفردًا، بل رسالة ميدانية تهدف إلى توسيع دائرة الضغط وإجبار المدافعين على توزيع قواتهم بين عدة جبهات، منها الخيام والطيبة والمناطق الشرقية المرتفعة. ويشير هذا النمط من العمليات إلى مرحلة اختبار للمحاور المحتملة، ما يجعل المنطقة الممتدة بين العرقوب وحاصبيا تحت ضغط مزدوج من النيران والتحركات العسكرية.
أما المحور الأوسط، الممتد بين الخيام والطيبة، فيُعد العمود الفقري للعمليات البرية، نظرًا لارتباطه بمسار مارون الراس وما يمثله من ثقل عسكري في المواجهات. وتشير المعطيات إلى أن بلدة الخيام شهدت أعنف المعارك خلال الساعات الماضية، حيث جرى الضغط عليها من ثلاثة اتجاهات مختلفة، شملت الجنوب والغرب إضافة إلى الشرق والشمال الشرقي قرب الحدود الإدارية لإبل السقي، مع تكثيف النيران ومحاولات تطويق مركز البلدة. ويعكس ذلك محاولة للسيطرة التدريجية على هذه العقدة الميدانية التي تفتح الطريق نحو سهل مرجعيون وتؤمّن اتصالًا أوسع مع العمق الشمالي للقطاع الحدودي.
في المقابل، تشكل بلدة الطيبة ضلع الإسناد في هذا المحور، حيث تشير المؤشرات إلى تباطؤ في تقدم الدبابات بعد تعرضها لصواريخ مضادة للدروع. وتزامن ذلك مع غارات مكثفة على بلدات يحمر وأرنون وزوطر، في محاولة للحد من مصادر النيران التي تطال القوات المتقدمة من المرتفعات المشرفة على المنطقة. ويُفهم هذا التحرك في سياق السعي لتأمين ممر نحو ضفة الليطاني ووادي الحجير، بما يسمح بعزل مناطق جنوب مرجعيون عن امتداداتها ويهيئ ظروفًا ميدانية قد تتيح التقدم لاحقًا نحو بلدات أخرى في القطاع.
كما ترافقت هذه التطورات مع استئناف الضغط العسكري على مارون الراس وعيترون، إضافة إلى قصف أطراف بنت جبيل، ما يعكس طبيعة مترابطة للمواجهات داخل المحور الأوسط، حيث تتداخل الجبهات الفرعية ضمن إطار معركة أوسع تهدف إلى منع تركيز القوات المدافعة في نقطة واحدة.
في المقابل، اكتسب المحور الغربي أهمية خاصة مع اتساع الاشتباكات في منطقة الناقورة الساحلية. وتشير المعلومات إلى تقدم من اتجاهين، الأول من الجهة البحرية غربًا، والثاني من المرتفعات الشرقية الممتدة من اللبونة وصولًا إلى أطراف علما الشعب. وقد سجلت اشتباكات داخل الناقورة نفسها، إلى جانب قصف مدفعي واستخدام قذائف فوسفورية، كما أصيبت منشآت داخل مقر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بعد تسجيل إطلاق نار وانفجارات في محيطه.
وتكمن أهمية هذا المحور في قدرته على فتح مسار التفاف على الساحل الجنوبي، ما قد يربك خطوط الإمداد بين مدينة صور والقرى الحدودية. كما يمنح القوات المتقدمة مرونة أكبر في الحركة مقارنة بالتضاريس الجبلية المعقدة في الشرق. ولهذا تزامنت التحركات في هذا الاتجاه مع قصف واسع طال بلدات في عمق قضاء صور، في محاولة لمنع استخدام الساحل كخط إسناد للقوات المدافعة.
وبشكل عام، تشير طبيعة المعارك الحالية إلى مرحلة انتقالية بين العمليات المحدودة والاجتياح الواسع، حيث يجري تأسيس جبهة قتال متعددة المحاور تعتمد على النيران الكثيفة واستهداف البنية التحتية وقطع الطرق والجسور وتوسيع نقاط الاحتكاك المباشر. وإذا استمر هذا النهج، فمن المرجح أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت شريط قتالي واسع على امتداد المحاور الثلاثة، بدل التقدم السريع نحو عمق الأراضي اللبنانية دفعة واحدة.
وتوحي التطورات الميدانية بأن الهدف يتجاوز الرد العسكري المؤقت، ليصل إلى محاولة إعادة رسم الواقع الأمني في جنوب لبنان عبر مزيج من الضغط العسكري والإخلاء القسري. ومع ذلك، فإن فتح عدة محاور في وقت واحد لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم سريع، بل قد يعكس أيضًا صعوبة الحسم عبر جبهة واحدة، ما يجعل المعركة مرشحة للاستمرار ضمن نمط استنزاف طويل يهدف إلى فرض معادلات ميدانية جديدة قد تنعكس لاحقًا في أي مسار تفاوضي محتمل.







