اقلام حرة

كتب شفيق طاهر في المدن

كتب شفيق طاهر في المدن

للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على إيران، يصل القصف الإسرائيلي إلى ساحل بحر قزوين، وتحديداً ‏مدينة بندر أنزالي الساحلية. ومع إعلان الجيش الإسرائيلي، تنفيذ ضربات على أهداف بحرية إيرانية في تلك المنطقة، بدا واضحاً أن الحرب دخلت مرحلة جديدة لم تعٌُد فيها حدود الاشتباك محصورة بالمراكز التقليدية للثقل العسكري الإيراني في الوسط والجنوب. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بضرب منشآت نووية أو قواعد صاروخية أو مراكز للحرس الثوري، بل بانتقال الاستهدافات إلى الشمال الإيراني نفسه، إلى مساحة كانت حتى وقت قريب أبعد نسبياً عن مرمى الاستهداف المباشر. فاختيار إسرائيل ‏الهدف ليس عشوائياً على الإطلاق، بل يعكس منطقاً استراتيجياً أعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى.

 

جغرافيا لم تكن متوقعة

 

ما يجعل هذا التطور بالغ الدلالة، ليس فقط نوعية الضربة، بل معناها السياسي والعسكري. فحين تنتقل الحرب إلى قزوين، فإن إسرائيل لا توسّع بنك الأهداف فحسب، بل تنسف أيضاً فكرة العمق الآمن داخل إيران. وهذه نقطة جوهرية في أي حرب استنزاف.

 

في السنوات الماضية، وفي ظل ضغوط العقوبات المتزايدة، اعتمدت طهران بشكل متزايد على قنوات ‏تجارية جديدة بعيدة عن أعين الرقابة الاميركية، من ضمنها ممر بحر قزوين. سهّلت هذه القنوات ليس فقط التجارة المدنية، بل ‏أيضاً حركة السلع ذات الاستخدام المزدوج مثل مكونات الطائرات بدون طيار، والإلكترونيات، ‏ومكونات الصواريخ البالستية. ويعد استهداف هذه القنوات محاولة واضحة من جانب إسرائيل لتعطيل ‏سلاسل الإمداد والحيوية لإيران من الناحية الاستراتيجية‎.

لماذا يحمل الاستهداف أبعاداً أوسع؟

مع اشتداد ‏الضغط على المنشآت العسكرية الايرانية في المناطق الوسطى، تم نقل أجزاء من النظام العسكري الإيراني، بما في ‏ذلك مواقع التخزين ومراكز القيادة وعناصر التنسيق إلى مناطق أقل تعرضاً للخطر. وبعض هذه ‏الأصول موجودة بالفعل بالقرب من بندر أنزالي، وعليه، فإن الضربة تندرج ضمن نمط يهدف إلى ‏إضعاف قدرة إيران بشكل منهجي على التكيف وإعادة التنظيم تحت الضغط‎.

 

ضمن هذا السياق، تبدو الضربة جزءاً من نمط أوسع، الضغط على العناصر التي تمنح إيران القدرة على الصمود وإعادة التنظيم. فخلال الأيام الماضية، لم تقتصر الضربات على الأهداف العسكرية فقط، بل امتدت أيضاً إلى قطاع الطاقة، وفي مقدمته حقل بارس الجنوبي العملاق ومنشآت عسلويه. ومن المعلوم أن حقل بارس الجنوبي يوفر ما بين 70 و75% من إنتاج الغاز الإيراني، ما جعل استهدافه واحداً من أخطر وجوه التصعيد، ليس بسبب رمزيته فقط، بل لأن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الكهرباء والتدفئة والصناعة والبتروكيماويات داخل إيران. وعندما يتزامن الضغط على الطاقة في الجنوب مع إدخال بحر قزوين إلى المعركة في الشمال، فإن الصورة تصبح أوضح، الحرب لم تعد تستهدف البنية العسكرية والنووية الإيرانية، بل البنية التي تسمح للدولة الإيرانية بإدارة الحرب وامتصاص آثارها.

أي تداعيات على حسابات إيران؟

أخطر ما تكشفه ضربة بحر قزوين هو أن الحرب تتجه نحو مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، تتراجع فيها الفواصل بين الهدف العسكري المباشر وشبكات الدعم والاحتياط. صحيح أن المعطيات العلنية لا تسمح بالجزم بالمدى الذي يستخدم فيه الشمال الإيراني كحيّز لإعادة التموضع أو للتخزين أو للتنسيق الاحتياطي، لكن توسيع مسرح العمليات إلى هذه المنطقة، يوحي بأن إسرائيل تتحرك بمنطق تقليص قدرة إيران على التكيف في الحرب. وهذا التحول يفرض على طهران أعباء إضافية، وإعادة توزيع الدفاعات، وتوسيع حالة التأهب، والتعامل مع حرب باتت تضرب أكثر من منطقة في وقت واحد.

 

في المحصلة، لا تبدو ضربة بحر قزوين مجرد توسع في بنك الأهداف الإسرائيلية على إيران، بل إعلاناً عن حرب تتسع جغرافياً وتضيق فيها هوامش الأمان داخل إيران. فإسرائيل، من خلال نقل الحرب إلى الشمال الايراني، لا تضرب هدفاً بحرياً فحسب، بل تضغط في آن واحد على إيران في المجال العسكري واللوجستي والنفسي. وما يقوله هذا التحول بوضوح، هو أن إيران لم تعد تواجه حرباً على منشآت بعينها، بل حرباً على قدرتها نفسها على الاحتفاظ بأي مسافة آمنة عن النار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce