مقالات

فيديوهات الذكاء الاصطناعي تغزو الحرب في الشرق الأوسط

فيديوهات الذكاء الاصطناعي تغزو الحرب في الشرق الأوسط

شفيق طاهر -المدن

لم تعُد الحروب الحديثة تخاض في الميدان فقط، بل على الشاشات أيضاً. فبالتوازي مع الصواريخ والضربات والرسائل النارية، تدور معركة أخرى لا تقل خطورة، معركة الصورة. وفي الحرب الدائرة في الشرق الاوسط، لم تعُد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيط لنقل الأخبار، بل تحولت إلى ساحة اشتباك قائمة بذاتها، ينتج فيها الحدث ويعاد تشكيله وتضخيمه وتزويره، بالسرعة نفسها التي يُتداول بها.

 

في مثل هذه اللحظات، ما يظهر على الشاشة قد لا يكون توثيقاً لما جرى، بل صناعة مقصودة لما يراد للناس أن يصدقوه. وهنا تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي حين يدخل الحرب، بوصفه وسيلة لتوجيه الانطباع العام، والتأثير في الإدراك، وإرباك المتلقي، ودفعه إلى تبني رواية قبل أن تتاح له فرصة التحقق منها.

 

في الأيام الأخيرة، امتلأت المنصات بمقاطع قيل إنها توثق ضربات صاروخية، وانفجارات في مدن إسرائيلية وإيرانية. لكن كثيراً من هذه المواد لم يصمد أمام التدقيق. بعضها تبين أنه مولد بالذكاء الاصطناعي، وبعضها الآخر كان قديماً أُعيد تدويره خارج سياقه، فيما جرى اقتطاع لقطات من ألعاب إلكترونية أو من أحداث سابقة وإعادة تقديمها بوصفها جزءا من الحرب الجارية. وهكذا، لم يعد التضليل البصري تفصيلاً هامشياً يرافق الحرب، بل غدا جزءاً من بنيتها الإعلامية والنفسية.

 

ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الحرب لم تعد معركة وقائع فقط، بل معركة سرديات أيضاً. ولذلك، لا تتحرك الفيديوهات المفبركة في الفراغ، بل تجد بيئة مثالية للانتشار في أجواء الخوف والتوتر والانقسام، حين يكون الجمهور متعطشاً لأي صورة، ومستعداً لتصديق ما ينسجم مع مخاوفه أو رغباته أو مواقفه المسبقة.

 

 

 

كيف تنتشر الفيديوهات المفبركة أسرع من الحقيقة؟

 

تكمن المشكلة في أن المستخدم العادي يتعامل غالباً مع الفيديو بوصفه دليلاً مباشراً. فالصورة المتحركة تمنح إحساسا فوريا بالصدق، حتى عندما تكون مزيفة أو مجتزأة أو منزوعة من سياقها. وهذا ما يجعلها أداة مثالية للتضليل، لا لأنها دائما متقنة، بل لأنها تستثمر في رد الفعل السريع.

 

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، اصبح ممكنا إنتاج مقاطع تبدو للوهلة الأولى مقنعة جداً، خصوصا حين تعرض على شاشة هاتف صغير، وتستهلك في لحظة انفعال جماعي، لا في سياق تدقيق هادئ. وهنا لا تصبح المشكلة تقنية فقط، بل إعلامية وسياسية أيضا، من يسبق إلى تشكيل الانطباع، يربح جزءا من المعركة، حتى لو تبين لاحقا أن مادته زائفة.

 

 

 

علامات تساعد على كشف التزييف البصري والصوتي

 

لكن ذلك لا يعني أن التمييز بين الحقيقي والمفبرك مستحيل. فثمة إشارات يمكن أن تساعد على التقاط الخلل.

 

أولى هذه الإشارات هي التفاصيل البصرية الصغيرة. ففي الفيديو الحقيقي قد تكون الصورة مهزوزة أو ضعيفة، لكن العالم داخلها يبقى منطقيا في العادة. أما في الفيديو المصنوع بالذكاء الاصطناعي، فتظهر أحيانا اختلالات كاشفة، جسم يتبدل شكله بين لقطة وأخرى، مبنىً يتشوّه فجأة، عنصر يختفي ثم يعود بلا سبب، أو حركة غير طبيعية في العلم أو السيارة أو الضوء. هذه ليست أخطاء عابرة دائماً، بل من العلامات التي يخون بها التزييف نفسه.

 

الإشارة الثانية تتعلق بالخلفية لا بالمشهد الرئيسي. ففي كثير من الحالات، ينجذب المشاهد مباشرة إلى الانفجار أو الحريق أو الصاروخ، بينما يكمن مفتاح التحقق في الأطراف، شكل الأبنية، طبيعة الشوارع، تضاريس المكان، اللافتات، الخط الساحلي، أو المعالم المعروفة للمدينة. فإذا زعم الفيديو أنه من تل أبيب أو طهران، ثم ظهرت فيه عناصر لا تنتمي إلى هذه البيئات، فذلك سبب جدي للشك.

 

ولا ينبغي هنا إغفال شكل آخر من التضليل، لا يعتمد على صنع فيديو جديد، بل على إعادة استخدام فيديو قديم. وهذه من أكثر الوسائل شيوعاً في الحروب. قد يُؤخذ مقطع من نزاع سابق، أو من كارثة لا صلة لها بالحدث، ثم يُعاد نشره بعنوان جديد يوحي بأنه من المعركة الحالية. هنا لا يكمن التزييف في الصورة ذاتها، بل في السياق الذي أُلحقت به.

خطوات بسيطة للتحقق من أي مقطع

 

لهذا، فإن القاعدة الأولى في التعامل مع أي فيديو صادم هي التريث. لا تشارك فوراً. اسأل أولا، من نشر هذا المقطع؟ ما مصدره الأول؟ هل الحساب موثوق؟ هل توجد نسخة أقدم له؟ وهل ظهر في وسائل إعلام معروفة أو على منصات تحقق مستقلة؟ ثم انظر إلى المكان والزمان والسياق، لا إلى المشهد وحده.

 

فإذا تعذر الوصول إلى أصل واضح، أو غاب التأكيد المستقل، أو ظهرت في المقطع علامات خلل بصري أو سمعي أو جغرافي، فالأفضل التعامل معه بوصفه مشبوها، لا بوصفه حقيقة جاهزة.

 

وفي الحروب، تحديدا، قد تكون الأكاذيب الأكثر فاعلية هي تلك التي تصل في هيئة فيديو مقنع، صادم، وسهل التصديق. لذلك ربما تبدو القاعدة الأبسط هي الأصدق، كل فيديو مثالي أكثر من اللازم، مجهول المصدر، متناغم تماما مع دعاية جاهزة، أو مقدم على أنه “التوثيق الأول” لحدث كبير، يستحق الشك قبل التصديق.

 

*ملاحظة: هنالك العديد من المصادر والأدوات المفيدة للتأكد من أي محتوىً رقمي في هذا المجال ومنها: Reuters Fact Check، وAP Fact Check، وGIJN – Guide to Detecting AI-Generated Content، وC2PA، وContent Credentials Verify.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce