مقالات

لبنان تحت النار: كيف قلبت الحرب الوضع السياسي والمجتمعي رأسًا على عقب؟

لبنان تحت النار: كيف قلبت الحرب الوضع السياسي والمجتمعي رأسًا على عقب؟

تجاوزت الحرب الحالية في لبنان حدود المواجهة التقليدية، لتصبح تهديدًا مباشرًا لموقع الدولة نفسه واستقرارها الداخلي. فبعد عقود من التوازن الهش الذي رسّخه اتفاق الطائف، باتت الدولة اللبنانية تواجه قوى الأمر الواقع القوية، في ظل منظومة إقليمية تتحكم بمسار الأحداث، ما جعل البلاد تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على التحكم بمصيرها.

في المقارنة مع حرب تموز 2006، يظهر الفرق الجوهري في طبيعة الصراع الحالي، إذ لم تعد الحرب تقتصر على مواجهة سلاح “حزب الله” وحده، بل تحولت إلى استهداف شامل للبنية التحتية، من جسور وطرق ومحطات وقود إلى شبكات الإمداد، في مشهد يذكّر بأساليب الأرض المحروقة التي اعتمدت خلال اجتياح لبنان عام 1982.

يعمل “حزب الله” في هذه الحرب كقوة محلية، وفي الوقت نفسه كفاعل إقليمي ينطلق من الأراضي اللبنانية، في إطار منظومة أكبر تقودها إيران. هذا التحول يعكس مدى ربط الصراع اللبناني بمسار التوتر الإقليمي، بعيدًا عن خصوصية الداخل اللبناني، ويقلص بشكل كبير هامش المناورة التقليدي الذي كان متاحًا للبنان عبر التسويات الإقليمية والدولية السابقة.

ويبدو واضحًا أن قرار الحرب لم يعد في بيروت، وأن احتمالات تداعيات ما بعد العمليات العسكرية تمثل أكبر التحديات، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن الحروب الخارجية تتحول سريعًا إلى أزمات داخلية تعمّق الانقسامات السياسية والمجتمعية. وفي حال انتهاء الحرب من دون تسوية إقليمية شاملة، سيبقى سلاح “حزب الله” مصدر توتر دائم، ما يعيد لبنان إلى مأزق انقسامي حول دوره وضرورته، ويهدد إعادة تشكيل النظام السياسي بأكمله.

في النهاية، يبدو أن لبنان يخسر تدريجيًا الهامش الذي حافظ على استقراره النسبي منذ نهاية الحرب الأهلية، ما يطرح تساؤلًا حاسمًا: هل يمكن للبلاد الصمود والمحافظة على كيانه وهويته في ظل هذه المعطيات الجديدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce