مقالات

إيران تحت النار: لماذا لم يسقط النظام في طهران رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية؟

إيران تحت النار: لماذا لم يسقط النظام في طهران رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية؟

بعد مرور أسبوع على اندلاع المواجهة العسكرية، لم يعد التركيز منصبّاً فقط على حجم الخسائر التي تكبّدتها إيران، بل بات السؤال الأبرز يتمحور حول قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحويل تفوقهما العسكري إلى انهيار سياسي داخل طهران. فالهجمات الجوية المكثفة استهدفت عمق البنية العسكرية والقيادية الإيرانية، وطالت أكثر من ألفي موقع داخل البلاد، فيما تحدثت واشنطن عن تدمير جزء كبير من القدرات البحرية ومنشآت الصواريخ، إلى جانب خطة لاحقة تستهدف تقويض القدرة الإنتاجية للصواريخ على المدى البعيد. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على حدوث تصدع داخلي قد يفتح الطريق أمام سقوط سريع للنظام.

المشهد الإيراني الحالي يعكس مفارقة واضحة؛ فالنظام لا يملك القدرة على تغيير موازين القوى عسكرياً في مواجهة خصم يمتلك تفوقاً جوياً وتكنولوجياً كبيراً، لكنه في الوقت ذاته لا يتصرف كسلطة مهزومة تستعد للاستسلام. وتشير تقديرات سياسية وأمنية غربية وعربية إلى أن بنية الحكم ما زالت متماسكة إلى حدّ كبير، وأن القبضة الأمنية داخل البلاد لم تتفكك رغم اتساع الضربات التي طالت العاصمة ومؤسسات الدولة. وبناءً على ذلك، يبدو أن طهران لا تراهن على تحقيق نصر عسكري بقدر ما تسعى إلى منع خصومها من ترجمة تفوقهم الميداني إلى حسم سياسي سريع.

في هذا السياق، برزت مسألة الخلافة في القيادة الإيرانية بوصفها عاملاً بالغ الحساسية. فالتأخر في إعلان خليفة للمرشد الأعلى يعكس مخاوف جدية من أن يتحول أي اسم يتم طرحه إلى هدف مباشر في ظل التصعيد العسكري. وقد زادت التصريحات الأميركية الأخيرة المشهد تعقيداً، إذ أشار الرئيس الأميركي إلى رغبته في التأثير على شكل القيادة المقبلة في إيران، معتبراً أن بعض الأسماء المطروحة غير مقبولة، ومؤكداً أن واشنطن تسعى إلى ظهور قيادة قادرة على إرساء الاستقرار وتجنّب صراعات مستقبلية.

هذا الطرح يفتح الباب أمام تصور يتجاوز مجرد إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ليشمل احتمال التأثير في شكل النظام السياسي الذي قد يخرج من هذه الحرب. ويرى عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الغربية أن المرحلة الحالية قد تمثل بداية فصل جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية، خاصة مع غياب الجيل الذي أسّس النظام بعد ثورة عام 1979. وبحسب هذه الرؤية، فإن السؤال لم يعد فقط من سيتولى السلطة، بل ما إذا كانت القيادة الجديدة ستواصل نهج المواجهة مع الولايات المتحدة أم ستختار التكيف مع الواقع الإقليمي والدولي عبر تسوية سياسية.

على الصعيد الميداني، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على إطالة أمد الصراع بدلاً من حسمه سريعاً. فقد أظهرت تقارير أن حجم الهجمات الصاروخية الإيرانية تراجع مقارنة بالأيام الأولى للحرب، وأن طهران باتت تطلق عدداً أقل من الصواريخ نحو أهداف متعددة، في وقت تشير فيه تقديرات عسكرية إلى أن بعض قدراتها الباليستية تعرض لأضرار كبيرة نتيجة الضربات المتواصلة.

في المقابل، وسعت إيران من استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات منخفضة الكلفة، في محاولة لإبقاء الضغط على خصومها وإرباك طرق الطاقة والشحن في المنطقة. ويعتقد محللون أن هذا الأسلوب يهدف إلى استنزاف الخصوم على المدى الطويل، سواء من خلال استهلاك أنظمة الدفاع الجوي أو عبر الضغط على الرأي العام والأسواق الاقتصادية. وبحسب هذا المنطق، لا تحتاج طهران إلى تحقيق نصر مباشر، بل يكفيها أن تجعل الحرب أكثر تعقيداً وكلفة لإجبار خصومها على البحث عن مخرج سياسي.

ورغم الضربات الجوية المكثفة، تشير تقديرات أمنية إلى أن القيادة الإيرانية ما زالت تعتقد بقدرتها على الصمود، وهو ما يفسر استمرارها في القتال مع الحفاظ على قدر من ضبط التصعيد. فالهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في المنطقة بقيت محدودة نسبياً حتى الآن، ما يوحي بأن طهران لا ترغب في استخدام كل أوراقها دفعة واحدة طالما ترى فرصة للاستمرار في معادلة الاستنزاف.

كما أن تراجع كثافة الهجمات الصاروخية على إسرائيل يعود جزئياً إلى القصف المتواصل الذي استهدف منصات الإطلاق والبنية المرتبطة بالبرنامج الصاروخي. ومع ذلك، لا تزال إيران تحتفظ بقدرة على إلحاق أضرار كبيرة باستخدام بعض أنظمة الصواريخ الحديثة، إضافة إلى قدرتها على إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة يومياً في المستقبل القريب.

في المقابل، لا تقتصر حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل على العمليات الجوية فقط. فقد تحدثت تقارير دولية عن نقاشات تجري مع أطراف كردية حول احتمال تنفيذ عمليات داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما يشير إلى إمكانية إدخال عنصر بري أو شبه بري في الحملة العسكرية، سواء عبر قوى محلية معارضة أو من خلال عمليات محدودة.

غير أن هذا الخيار يحمل حساسية كبيرة، إذ إن استخدام ورقة الأقليات قد يضغط على النظام الإيراني، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تعزيز نزعة قومية داخل البلاد، حتى لدى فئات تعارض الحكم الديني لكنها ترفض في الوقت ذاته أي سيناريو يؤدي إلى تفكك الدولة.

أما على المستوى الخارجي، فتبدو خيارات طهران محدودة نسبياً. فروسيا، رغم تقديمها بعض الدعم الاستخباراتي، لا تبدو مستعدة أو قادرة على التدخل المباشر لتغيير موازين الحرب. كما أن بعض القوى الحليفة لإيران في المنطقة لم تنخرط بالكامل في المواجهة، ما يعكس تراجع قدرة طهران على تعبئة محور حلفائها بالشكل الذي كان يحدث في مراحل سابقة.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن سقوط النظام الإيراني ليس وشيكاً، لكنه في الوقت ذاته لم يخرج من المواجهة من دون خسائر استراتيجية. فالحرب الحالية أدت إلى تراجع جزء من هيبة الردع التي كان يتمتع بها النظام، فيما باتت مسألة الخلافة وطبيعة العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة جزءاً أساسياً من معركة المرحلة المقبلة.

وبين رهان طهران على الصمود واستنزاف خصومها، ورهان خصومها على أن يؤدي هذا الصمود إلى تفكك داخلي أو إلى تسوية تفرض تغييراً في سلوك النظام، تتشكل تدريجياً ملامح إيران الجديدة التي ستخرج من هذه المواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce