
الحرب على إيران: قراءات إسرائيلية تكشف ملامح الخطة الأميركية وتكتيكات إدارة المعركة
الحرب على إيران: قراءات إسرائيلية تكشف ملامح الخطة الأميركية وتكتيكات إدارة المعركة
اتسم اليوم الأول من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بتسارع لافت في التطورات الميدانية والسياسية، وسط غموض يحيط بمسار العمليات والسيناريوهات المحتملة خلال الأيام والأسابيع المقبلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة حول النتائج النهائية للضربات الأولى.
وتشير تقديرات وتحليلات إسرائيلية إلى أن صورة الميدان لا تزال غير مكتملة، وأن الحكم على اتجاه الحرب يبقى مرهوناً بانقشاع الضباب العملياتي وتقييم حجم الخسائر الإيرانية، سواء على مستوى القيادات المؤثرة في النظام أو على صعيد البنية العسكرية والتسليحية. كما تعكس تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي رجّح فيها استهداف شخصيات وازنة خلال قصف مواقع مرتبطة بالقيادة الإيرانية، استمرار غياب معلومات استخباراتية قاطعة بشأن نتائج الضربات حتى الآن.
وبحسب قراءات إعلامية إسرائيلية، فإن استمرار الحملة العسكرية لأكثر من أسبوع قد يكون خياراً مفضلاً من منظور تل أبيب، بهدف استكمال تحقيق الأهداف العسكرية المرسومة، إلا أن هذا السيناريو يظل غير مضمون، في ظل تقديرات بأن الإدارة الأميركية لا تميل إلى الانخراط في صراع طويل، مقابل مساعٍ إيرانية محتملة لاحتواء الخسائر وتقليص تداعيات الضربات.
في المقابل، لفتت تقييمات عسكرية إسرائيلية إلى أن الرد الإيراني جاء سريعاً لكن بوتيرة مدروسة ومتقطعة، في محاولة لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية عبر ما يُعرف بتكتيك “اقتصاد الصواريخ”، وهو أسلوب يهدف إلى إطالة أمد القدرة على إطلاق الصواريخ والحفاظ على زخم الرد لفترة أطول، بما يخدم استراتيجية إطالة المعركة.
ورغم تأكيد جهات عسكرية وأمنية إسرائيلية أن تل أبيب تفضّل حرباً قصيرة تحقق أهدافها بأسرع وقت، فإن تقديرات مراسلين عسكريين تشير إلى أن الاستعدادات العملياتية، هجومياً ودفاعياً، أُعدّت لسيناريو مواجهة قد تمتد لأسابيع، في ضوء تعقيدات المشهد الإقليمي وتعدد جبهات التأثير.
وعلى صعيد العمليات الجوية، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ أكبر طلعة هجومية في تاريخ سلاح الجو بمشاركة نحو 200 طائرة استهدفت مئات الأهداف داخل إيران خلال الساعات الأولى، شملت منظومات دفاع جوي ومنصات إطلاق صواريخ ومواقع عسكرية وشخصيات قيادية. ومع ذلك، تشير تحليلات إسرائيلية إلى أن هذا الحجم من الضربات لا يعني بالضرورة استخدام القوة النارية القصوى حتى الآن، بل يعكس حجم المشاركة الجوية في هجوم واحد أكثر من كونه ذروة التصعيد العسكري.
وأثار حجم الانخراط الأميركي تساؤلات في الأوساط الإعلامية الإسرائيلية، خاصة في ظل التحشيد العسكري الكبير الذي سبق العمليات، حيث بدت الضربات الأميركية أقل كثافة مما كان متوقعاً، ما دفع محللين إلى ربط ذلك بطبيعة التكتيكات الأميركية المعتمدة في إدارة الحرب.
وتباينت التفسيرات الإسرائيلية لطبيعة الخطة الأميركية، إذ يرى بعض المحللين أن الاستراتيجية تقوم على توجيه ضربات مرحلية مكثفة تهدف إلى إضعاف القدرات الإيرانية تدريجياً، بينما رجّح آخرون أن واشنطن تسعى أولاً إلى رصد ردود الفعل والتحركات الإيرانية، سواء فوق الأرض أو في المنشآت المحصّنة، لإدراجها لاحقاً ضمن بنك الأهداف.
كما تذهب تقديرات أخرى إلى أن المواجهة لم تصل بعد إلى مرحلة “الحرب المفتوحة”، حيث لا تزال العمليات العسكرية تتركز على الأهداف العسكرية والقيادية دون توسّع واسع نحو البنى المدنية، في حين لم تبادر طهران في الساعات الأولى إلى استهداف واسع لمطارات وقواعد عسكرية إسرائيلية استراتيجية بصواريخ باليستية، وفق الرواية الإسرائيلية.
في السياق ذاته، يشير باحثون في مراكز دراسات أمنية داخل تل أبيب إلى أن الخطة الأميركية قد تعتمد نمطاً يقوم على تنفيذ موجات من الهجمات المكثفة، يتبعها توقف مؤقت لتقييم تأثير الضربات على السلوك الإيراني، قبل استئناف العمليات مجدداً إذا لم تستجب طهران للشروط الأميركية، بما يؤدي إلى إنهاك تدريجي لقدرات النظام الإيراني على المدى المتوسط.
ومع ذلك، تقرّ تحليلات إسرائيلية بأن التعامل مع إيران يختلف عن مواجهات سابقة، نظراً لطبيعة النظام السياسي والعقائدي وتماسك مؤسساته، ما يجعل حسم الصراع في فترة قصيرة أمراً معقداً. كما لا تستبعد هذه التقديرات سيناريوهات داخلية قد تسهم في إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام الإيراني، أو دفعه نحو نهج أكثر براغماتية في سياساته الإقليمية.
وبصورة عامة، تبدو هذه المواجهة مختلفة من حيث الأهداف وحجم الوسائل العسكرية المستخدمة، فضلاً عن تداعياتها المحتملة على توازنات المنطقة، في وقت لا تزال فيه مآلات الحرب غير محسومة، وسط حالة ترقّب واسعة لمسار العمليات والمفاجآت التي قد تحملها المرحلة المقبلة.



