
تيار المستقبل بين الإرث العائلي والتحولات السياسية… هل تعيد القيادة الجديدة صياغة الدور؟
تيار المستقبل بين الإرث العائلي والتحولات السياسية… هل تعيد القيادة الجديدة صياغة الدور؟
عاد النقاش حول بنية تيار المستقبل ودوره السياسي إلى الواجهة مع القرارات التنظيمية الأخيرة التي أعادت ترتيب هرم القيادة ضمن إطار عائلي ضيق، في خطوة تعكس تحولات عميقة في مسار التيار منذ تأسيسه وحتى اليوم. فبعد سنوات من نشأته كقوة سياسية عابرة للطوائف، برز التيار تدريجياً كمرجعية أساسية داخل البيئة السنية، على نحو دفع بعض المراقبين في مطلع الألفية إلى مقارنته بأحزاب تقليدية لعبت أدواراً تمثيلية داخل طوائفها، رغم حساسية هذا التشبيه آنذاك داخل الأوساط الإسلامية التي كانت تنظر بسلبية إلى تجارب حزبية مرتبطة بالحرب الأهلية.
شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري نقطة تحول مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، إذ أعاد خلط التوازنات وأطلق مرحلة سياسية جديدة تمثلت في انتفاضة الاستقلال عام 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان. في تلك المرحلة، تشكّل تحالف سياسي واسع ضم قوى إسلامية ومسيحية تحت عناوين سيادية واستقلالية، ما أسهم في تقليص المسافات بين مكونات كانت متباعدة بفعل إرث الحرب والانقسامات السابقة.
في السياق الراهن، تبرز القرارات التنظيمية التي اتخذها رئيس التيار سعد الحريري خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، ولا سيما تعيين النائبة السابقة بهية الحريري نائبة له وتثبيت أحمد الحريري في موقع الأمانة العامة، كمؤشر إلى إعادة تموضع القيادة ضمن الدائرة العائلية. هذا التوجه ترافق مع تراجع حضور عدد من الوجوه القيادية التقليدية، سواء بخروجها من المشهد أو تجميد أدوارها، ما يعكس انتقال التيار إلى مرحلة تنظيمية مختلفة.
تاريخياً، لم يكن مخططاً أن تتولى عائلة الحريري العمل السياسي المباشر بهذا الشكل، إذ انشغل رفيق الحريري في إدارة مسؤولياته الحكومية والاقتصادية، فيما تولى نجله سعد متابعة الأعمال والعلاقات الاقتصادية، لا سيما في المملكة العربية السعودية، والحفاظ على شبكة العلاقات التي أسسها والده. غير أن اغتيال الحريري فرض واقعاً سياسياً جديداً، دفع سعد إلى تسلّم زعامة التيار في ظل إجماع محلي وعربي ودولي، وسط ظروف أمنية وسياسية ضاغطة.
وجد سعد الحريري نفسه فجأة أمام مسؤوليات سياسية واسعة في بلد معقد التركيبة، وفي بيئة مشحونة بالانقسامات والصراعات. ومع تصاعد التحديات السياسية والأمنية، ولا سيما بعد أحداث 7 أيار 2008 وإسقاط حكومته عام 2011 خلال وجوده في واشنطن، تحوّل التيار إلى تنظيم يعمل في ظروف استثنائية، فيما اضطر زعيمه لإدارة شؤونه من خارج البلاد لفترات طويلة نتيجة الضغوط والتهديدات.
وعلى المستوى التنظيمي، انعقد المؤتمر التأسيسي لتيار المستقبل عام 2010، حيث جرى تعيين قياداته الأساسية بقرارات مباشرة من الرئيس، ما كرّس نمط قيادة مركزياً ارتبط بشخص الزعيم والحلقة الضيقة المحيطة به. ومع مرور الوقت، ظهرت تحديات داخلية تتعلق بفاعلية المؤسسات الحزبية وآليات اتخاذ القرار، إذ بقي حضور التيار السياسي مرتبطاً بشكل أساسي بوجود القيادة المباشرة.
نجح الحريري في الحفاظ على زعامة شعبية واسعة داخل البيئة السنية، مستفيداً من الرصيد العاطفي والسياسي الذي ورثه، إضافة إلى أسلوبه القريب من الجمهور وشبكة العلاقات الواسعة التي بناها والده. إلا أن هذا النجاح الشعبي لم يواكبه بالقدر نفسه نجاح في إدارة الدولة أو تطوير المؤسسات، خصوصاً بعد دخوله في تسويات سياسية معقدة، أبرزها التسوية الرئاسية التي أوصلت ميشال عون إلى سدة الرئاسة، والتي اعتبرها كثيرون نقطة تحول ساهمت في تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية لاحقاً.
مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية وانحسار الدور الإقليمي والدعم الخارجي، وجد التيار نفسه أمام تحديات وجودية دفعت قيادته إلى العودة إلى الدائرة العائلية كخيار لتعزيز التماسك الداخلي وضبط الإيقاع التنظيمي. ويُنظر إلى تكليف بهية الحريري بدور متقدم داخل التيار بوصفه امتداداً لدورها التاريخي داخل العائلة، ولا سيما في مراحل سابقة تولت فيها مسؤوليات أساسية في إدارة الشؤون العائلية والسياسية.
اليوم، يقف تيار المستقبل عند مفترق مرحلة جديدة، بين الحفاظ على إرثه السياسي والشعبي، وإعادة صياغة بنيته التنظيمية في ظل تحولات داخلية وإقليمية عميقة. ويطرح هذا المسار أسئلة حول مستقبل القيادة الحزبية، وحدود الدور العائلي في إدارة العمل السياسي، وإمكانية استعادة التيار موقعه كقوة سياسية مؤثرة في المشهد اللبناني خلال المرحلة المقبلة.



