مقالات

لبنان بين تصعيد إقليمي و«طوارئ» تشريعية: عقد استثنائي للبرلمان واحتمال التمديد تحت ضغط التطورات

لبنان بين تصعيد إقليمي و«طوارئ» تشريعية: عقد استثنائي للبرلمان واحتمال التمديد تحت ضغط التطورات

يعيش لبنان مرحلة ترقب دقيقة على وقع التصعيد الإقليمي المتسارع، في ظل مؤشرات متضاربة بين مساعٍ دبلوماسية لاحتواء التوتر ومشاهد عسكرية توحي باقتراب خيارات أكثر حدة، ما يضع الداخل اللبناني أمام معادلة حساسة تجمع بين الاستحقاقات الدستورية والتحديات الأمنية. وفي هذا السياق، برز الحديث عن استعداد مجلس النواب لمرحلة استثنائية قد تحمل طابع “الطوارئ” التشريعية، بالتوازي مع تحذيرات سياسية من تطورات مرتقبة مع اقتراب منتصف آذار.

إقليمياً، تبدو المفاوضات الجارية في سلطنة عُمان محاولة أخيرة لتفادي الانفجار الكبير، في وقت تتجه الأنظار إلى مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، حيث تُتداول معطيات عن جهوزية سيناريوهات عسكرية محتملة. ويواكب هذا المشهد تصعيد ميداني تمثل بسلسلة غارات استهدفت مناطق في البقاع، ولا سيما بين شمسطار وحربتا وبوداي، إضافة إلى استهداف سابق في محيط النبطية، في إطار رسائل ضغط إسرائيلية مستمرة بالتوازي مع المسار التفاوضي.

وفي خضم هذه الأجواء، أطلق الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، تحذيراً لافتاً مرتبطاً بمنتصف آذار، في إشارة قرأها مراقبون ضمن سياق القلق من تداعيات التطورات الإقليمية على الساحة اللبنانية. كما حضر الملف الأمني والعسكري في لقاء جمع رئيس الحكومة نواف سلام بالسفير الأميركي في السراي الحكومي، حيث تطرق البحث إلى دعم الجيش اللبناني قبيل المؤتمر الدولي المرتقب في باريس.

على خط التوازنات الإقليمية، كشفت المؤشرات السياسية أن طهران تحاول تقديم مقاربات اقتصادية ودبلوماسية في مفاوضاتها مع واشنطن، في محاولة للوصول إلى تسوية وسطية في ملفي البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، مقابل تجنب المواجهة العسكرية. في المقابل، تراقب إسرائيل مسار هذه المفاوضات بحذر، معتبرة أن أي تسوية جزئية قد تعزز النفوذ الإيراني في المنطقة، ما يدفع بعض دوائر القرار إلى تفضيل خيار الضربة العسكرية الواسعة.

لبنانياً، شكّل الموقف الذي يفيد بعدم الانخراط العسكري في حال كانت الضربة على إيران محدودة عاملاً خفّف نسبياً من مستوى القلق الداخلي، إذ أتاح للدولة هامشاً أوسع للتحرك الدبلوماسي ومحاولة تحييد الساحة اللبنانية عن تداعيات الصراع الإقليمي. ومع ذلك، يخيّم الجمود على الملفات الداخلية، بالتوازي مع اجتماعات تحضيرية لمؤتمر دعم الجيش في القاهرة، واجتماعات عسكرية ضمن آلية “الميكانيزم” في الناقورة، إضافة إلى انخراط لبنان في مبادرات اقتصادية إقليمية.

وفي خطوة دستورية بارزة، وقّع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مرسوم فتح دورة استثنائية لمجلس النواب في النصف الأول من شهر آذار، ما يُفسَّر على أنه إجراء احترازي يوفّر الغطاء القانوني لاتخاذ قرارات مفصلية، من بينها احتمال التمديد للمجلس النيابي في حال فرضت الظروف الأمنية والسياسية ذلك. ويأتي هذا التطور في ظل حسابات نيابية معقدة مرتبطة بمصير الانتخابات النيابية وسط تصاعد المخاطر الإقليمية.

حكومياً، عقد مجلس الوزراء جلسة برئاسة سلام ركزت على تعزيز إيرادات الدولة، حيث جرى إقرار تفعيل الجباية المالية والجمركية وتشديد إجراءات مكافحة التهرب الضريبي، في إطار السعي لتأمين موارد إضافية للخزينة. كما وافق المجلس على تشكيل لجنة وزارية لإعداد خطة وطنية شاملة تهدف إلى ترشيد استخدام الإنترنت وتطبيقاته لدى الأطفال.

انتخابياً، أكد وزير الداخلية أحمد الحجار ارتفاع احتمال إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، مشيراً إلى تسجيل نحو 30 مرشحاً حتى الآن، مع تأكيد الوزارة عدم تلقي أي طلب خارجي لتأجيل الاستحقاق، ما يعزز التوجه الرسمي لإجرائه ضمن المهل الدستورية. وفي موازاة ذلك، أحال رئيس مجلس النواب نبيه بري اقتراح قانون العفو العام إلى اللجان النيابية المشتركة لدرسه.

ميدانياً، واصل الجيش اللبناني إجراءاته الدفاعية في الجنوب، ولا سيما في منطقة سردة، حيث عزز تحصيناته عبر تركيب أسلاك معدنية بمحاذاة الساتر الترابي في مسالك تُستخدم عادة للتوغلات باتجاه جنوب الخيام. وفي الإطار نفسه، شدد رئيس الجمهورية على دعم صمود أهالي الجنوب، مؤكداً توجيه التعليمات إلى الوزارات لتأمين مقومات الدعم، بالتوازي مع توسيع انتشار الجيش وفتح باب التطوع أمام أبناء المنطقة، إلى جانب تعزيز حضور الأجهزة الأمنية المختلفة.

وتشير التقديرات إلى أن المشهد الداخلي سيبقى في حالة ترقب بانتظار اتضاح مسار التطورات الإقليمية، سواء نجحت التسويات الدبلوماسية أو اتجهت المنطقة نحو تصعيد عسكري، ما قد يفرض على لبنان خيارات صعبة تتراوح بين تثبيت الاستقرار الداخلي واتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة أي تداعيات محتملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce