
تحوّل «الميكانيزم» إلى منصة أمنية بعد تعليق المفاوضات المدنية اللبنانية – الإسرائيلية
تحوّل «الميكانيزم» إلى منصة أمنية بعد تعليق المفاوضات المدنية اللبنانية – الإسرائيلية
سجّل مسار المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل تراجعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، مع انحسار دور لجنة «الميكانيزم» التي أُنشئت عقب وقف إطلاق النار عام 2024 إلى حدودها الدنيا، واقتصار اجتماعاتها الأخيرة على الجانب العسكري والأمني، في ظل غياب الموفدين المدنيين الذين أُضيفوا سابقاً إلى هيكليتها. وقد انعقد الاجتماع الثاني للجنة هذا العام في مقر قوات «اليونيفيل» في الناقورة، على غرار الاجتماع الذي سبقه مطلع العام، من دون مشاركة المبعوثين المدنيين، ما عزّز الانطباع بوجود تجميد فعلي لمسار التفاوض غير العسكري.
وجاء الاجتماع في أجواء توتر ميداني على الحدود الجنوبية، على خلفية محاولات إسرائيل عرقلة خطوات الجيش اللبناني لاستحداث نقاط مراقبة جديدة بهدف رصد التوغلات المتكررة وتعزيز الاستقرار الأمني في المنطقة. وترأس الجلسة نائب رئيس اللجنة، الجنرال الفرنسي فالنتين سيلير، في ظل غياب رئيسها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، كما لوحظ تغيب المندوب الإسرائيلي من دون تقديم تبرير رسمي، بالتوازي مع توقف المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس عن حضور الاجتماعات الأخيرة من دون توضيحات معلنة من واشنطن.
مصادر رسمية لبنانية ربطت المقاطعة الإسرائيلية بما وصفته بحالة انزعاج واضحة من انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني وتوسيع نقاط المراقبة، معتبرة أن الإشكالات المستجدة بين الجيشين شكّلت محوراً أساسياً للنقاش داخل اللجنة، إلى جانب البحث في آليات احتواء التوتر ومنع تكرار الحوادث. وأكدت المصادر أن تعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب يحظى بدعم دولي ولا يمكن مواجهته، مشيرة في الوقت نفسه إلى تراجع فاعلية «الميكانيزم» في ظل توجه أميركي نحو صيغة بديلة تقوم على لجنة ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بدلاً من الإطار الحالي متعدد الأطراف.
وبحسب المعطيات، فإن تعليق مشاركة الموفدين المدنيين يعود في جانب منه إلى عدم رغبة أميركية في توسيع التمثيل المدني، ولا سيما لجهة الدور الفرنسي، مقابل السعي إلى آلية تفاوضية أكثر فاعلية ترتبط إلى حد بعيد بتطورات المشهد الإقليمي ومسار الصراع الأميركي-الإيراني. وتضم اللجنة في صيغتها الحالية ممثلين عسكريين عن لبنان وإسرائيل إلى جانب «اليونيفيل» والولايات المتحدة وفرنسا، بعدما كانت قد شهدت سابقاً إدخال مفاوضين مدنيين من الطرفين قبل تجميد مشاركتهم.
في المقابل، كانت السفارة الأميركية في بيروت قد حدّدت سابقاً مواعيد دورية لاجتماعات اللجنة خلال الأشهر المقبلة، ووصفتها بأنها منصة أساسية للتنسيق العسكري بين الأطراف، من دون الإشارة إلى أي مسار تفاوضي مدني، ما يعكس تحوّلاً في أولوياتها الوظيفية.
ويرى متابعون أن اللجنة أُنشئت أساساً لتبادل المعلومات وتسهيل تنفيذ القرار 1701، عبر إبلاغ الجيش اللبناني بمواقع يُشتبه بوجود نشاط عسكري فيها لمعالجتها، إلا أن استمرار الضربات الإسرائيلية بحجة عدم المعالجة الكافية يعكس خللاً في آلية التطبيق، ويُفسّر في جانب منه الغياب الإسرائيلي عن الاجتماعات كرسالة اعتراض سياسية وأمنية.
كما يشير محللون إلى أن فكرة المفاوضات المدنية ضمن إطار «الميكانيزم» واجهت منذ البداية إشكاليات في الأهداف، إذ سعى الجانب الإسرائيلي إلى توسيع النقاش نحو ملفات اقتصادية وعلاقات أوسع، فيما ركّز لبنان على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار ومعالجة القضايا الأمنية قبل أي مسار آخر. ومع تسارع التطورات الإقليمية، تراجعت فعالية اللجنة، خصوصاً أن ديناميكيتها ترتبط إلى حد كبير بالدور الأميركي وبمآلات التوترات الإقليمية، ولا سيما انعكاسات الصراع الأميركي-الإيراني على الساحة اللبنانية.
وفي ظل تصاعد التوتر العسكري الإسرائيلي، يُرجّح أن يبقى تجميد المسار المدني قائماً في المرحلة الراهنة، إذ إن الأجواء الأمنية المشحونة لا توفّر بيئة ملائمة لمفاوضات سياسية أو مدنية، بينما يتقدّم الخيار الأمني والعسكري كإطار عملي لإدارة الوضع الحدودي، بانتظار اتضاح الاتجاهات الإقليمية الكبرى التي ستحدد مستقبل أي مسار تفاوضي بين بيروت وتل أبيب.



