لبنان على حافة الانتظار: ضغوط دولية ومفاوضات حاسمة تضع «حزب الله» أمام اختبار حصرية السلاح ومنع توسّع الحرب
لبنان على حافة الانتظار: ضغوط دولية ومفاوضات حاسمة تضع «حزب الله» أمام اختبار حصرية السلاح ومنع توسّع الحرب
تعيش الساحة السياسية اللبنانية حالة ترقّب حذِر على وقع التطورات الإقليمية، في ظل قرار وزارة الخارجية الأميركية مطالبة موظفيها غير الأساسيين في سفارتها في بيروت بمغادرة البلاد، وهو إجراء احترازي أثار قلقاً واسعاً لدى القوى السياسية لما قد يحمله من مؤشرات على تصعيد محتمل في المنطقة، خصوصاً إذا تعثرت المفاوضات الأميركية – الإيرانية المرتقبة في جنيف بوساطة سلطنة عمان.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن لبنان بات عملياً مرتبطاً بمسار هذه المفاوضات، سواء على مستوى الاستقرار الأمني أو الملفات الداخلية الأساسية، وفي مقدمتها الانتخابات النيابية ومسألة حصرية السلاح بيد الدولة، إذ إن أي فشل تفاوضي قد يفتح الباب أمام سيناريوهات عسكرية إقليمية تنعكس مباشرة على الداخل اللبناني. وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات إلى اتخاذ قرارات سياسية جريئة من شأنها تحييد لبنان عن أي مواجهة إقليمية، لا سيما عبر ترسيخ منطق الدولة ومنع استخدام أراضيه كساحة صراع.
وفي موازاة هذا المشهد، كثّفت الدولة اللبنانية، بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وبالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، اتصالاتها مع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، بهدف تجنيب لبنان تداعيات أي مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران، والعمل على تثبيت الاستقرار ومنع انزلاق البلاد إلى حرب جديدة. وتشمل هذه الجهود أيضاً تواصلاً سياسياً مع «حزب الله» لحثّه على عدم الانخراط في أي تصعيد عسكري محتمل إلى جانب إيران، مع التشديد على ضرورة إلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية والانسحاب من الأراضي اللبنانية بما يتيح للدولة بسط سلطتها الكاملة.
وتلفت مصادر سياسية مواكبة إلى أن التحركات الرسمية لم تأتِ بمعزل عن التصريحات الأخيرة لقيادة «حزب الله» التي ألمحت إلى عدم التزام الحياد في حال اندلاع مواجهة إقليمية، ما زاد منسوب القلق الداخلي والدولي حيال طبيعة الدور الذي قد يتخذه الحزب في أي تصعيد. وفي المقابل، تحظى قنوات التواصل المفتوحة بين الحزب ورئيس مجلس النواب نبيه بري بأهمية خاصة، نظراً للدور الذي يلعبه في إدارة التوازنات الداخلية ومحاولة الحد من الانزلاق نحو خيارات تصعيدية.
وتؤكد القراءات السياسية أن موقف الحزب لا ينفصل عن ارتباطاته الإقليمية، إلا أن طبيعة أي تدخل محتمل ما زالت موضع نقاش داخلي وتقييم، في ظل إدراك متزايد لحجم الضغوط الدولية والعربية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، ودمج الحزب ضمن مشروع الدولة ومؤسساتها. كما تترافق هذه الضغوط مع تحذيرات إسرائيلية متصاعدة، تُرجمت ميدانياً بتوسيع نطاق الغارات في الآونة الأخيرة، خصوصاً في مناطق البقاع الأوسط والشمالي، في رسالة ردعية مفادها أن أي تدخل عسكري سيقابل برد واسع قد يحظى بغطاء دولي.
ورغم تأكيد مسؤولين في الحزب استعادة قدراته العسكرية، إلا أن الوقائع الميدانية والاغتيالات التي طالت قيادات وكوادر بارزة خلال الفترة الماضية تعكس حجم التحديات الأمنية التي يواجهها، وسط تساؤلات داخلية حول جدوى أي انخراط عسكري جديد في ظل اختلال ميزان القوى الإقليمي وتزايد الكلفة البشرية والاقتصادية على لبنان.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن الحزب يستمع إلى نصائح محلية وغربية تحثه على عدم التدخل في أي مواجهة إقليمية، والتجاوب مع الطروحات الداعية إلى تسليم سلاحه كمدخل أساسي لتعزيز سلطة الدولة، إلا أنه يتجنب حتى الآن تقديم مواقف عملية واضحة، مكتفياً بإبقاء خياراته مفتوحة في ظل التطورات المتسارعة. كما يُنظر إلى التهديدات الإسرائيلية على أنها تتجاوز الإطار النفسي، وتندرج ضمن استراتيجية ضغط تهدف إلى ردع الحزب عن أي تحرك عسكري محتمل.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى التساؤل مطروحاً حول كيفية ترجمة أي موقف تضامني مع إيران في حال اندلاع مواجهة واسعة، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تكرار سيناريوهات سابقة لم تغيّر موازين القوى بقدر ما فاقمت الخسائر على لبنان. وترى أوساط سياسية أن أي تدخل عسكري لن يحظى بغطاء داخلي أو دولي، بل سيزيد من حجم الضغوط على الحزب ويضع البلاد أمام مخاطر اقتصادية وأمنية مضاعفة.
كما أن تمسّك الحزب بسلاحه باعتباره جزءاً من حضوره السياسي، لن يبدّل في اتجاه الضغوط الدولية والعربية المطالبة بتطبيق القرار 1701 وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، تماشياً مع اتفاق الطائف، في وقت تتزايد فيه مخاوف اللبنانيين من توسّع الحرب الإسرائيلية إذا استمر التصعيد الإقليمي. وبناءً على ذلك، تتجه الأنظار إلى خيار تموضع الحزب خلف الدولة وخياراتها الدبلوماسية كمسار أقل كلفة على البلاد، في ظل إدراك متزايد بأن أي تصعيد عسكري إضافي قد يضاعف الأعباء البشرية والمادية دون تحقيق مكاسب استراتيجية، ويعمّق عزلة لبنان في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.



