مقالات

تسوية السويداء أولاً: مفاوضات هادئة تعيد ترتيب الجنوب وتجمّد المسار مع إسرائيل

تسوية السويداء أولاً: مفاوضات هادئة تعيد ترتيب الجنوب وتجمّد المسار مع إسرائيل

تشهد المفاوضات المتعلقة بمحافظة السويداء تحركات هادئة ومدروسة بعيداً عن الأضواء، لكنها تحمل في طياتها ثقلاً سياسياً واضحاً، في ظل مساعٍ لصياغة اتفاق بين ممثلين عن الحكومة السورية ووجهاء وفعاليات محلية يقوم على نموذج “إدارة خاصة” ضمن إطار السيادة المركزية للدولة. ويهدف هذا الطرح إلى منح المحافظة هامشاً تنظيمياً وأمنياً أوسع من دون الخروج عن الإطار الدستوري أو المساس بالمرجعية السيادية للمركز.

وتفيد المعطيات بأن النقاشات لم تعد تقتصر على المبادئ العامة، بل دخلت في تفاصيل تنفيذية تشمل إعادة تنظيم الانتشار الأمني، وضبط العلاقة بين القوى المحلية والمؤسسات الرسمية، إلى جانب توسيع صلاحيات المجلس المحلي في الملفات الخدمية والبلدية والرقابية. وفي المقابل، تبقى القرارات السيادية المرتبطة بالأمن والعسكر والمالية بيد السلطة المركزية، مع ترتيبات مرحلية تهدف إلى تجنّب أي احتكاك مباشر بين الأجهزة الرسمية والقوى المحلية.

وتأتي هذه المقاربة نتيجة قناعة متبادلة بأن خيار الحسم الأمني في الجنوب يحمل كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة، في حين أن استمرار حالة الجمود يهدد بانفلات أمني لا تريده دمشق ولا القوى المحلية. من هنا، برز مسار “الاحتواء التدريجي” كخيار واقعي، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وحساسية الجنوب.

ومن أبرز بنود الصيغة المطروحة إعادة انتشار قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية بشكل تدريجي ومتفاهم عليه، بحيث يبدأ التواجد الأمني عبر نقاط محددة في المؤسسات الحيوية مثل السجل المدني والمالية والقضاء، قبل التوسع لاحقاً وفق تقييم الأوضاع الميدانية، من دون اللجوء إلى انتشار مكثف أو استعراض للقوة.

بالتوازي، يجري بحث آليات قانونية لتسوية أوضاع مجموعات محلية مسلحة، سواء عبر دمج أفرادها ضمن مؤسسات الدولة وفق معايير مهنية، أو منحهم أدواراً أمنية محلية محدودة بإشراف رسمي. وتستند هذه المقاربة إلى تجارب سابقة في “الدمج المرحلي” في مناطق أخرى، مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية الاجتماعية والسياسية للجنوب، التي تجعل أي احتكاك رمزي أكثر حساسية من الوقائع الميدانية نفسها.

ولا تنفصل المقاربة المطروحة للسويداء عن نماذج إدارية جرى تطبيقها في الشمال الشرقي، حيث يجري الحديث عن صيغة “تقاسم إداري جزئي” تقوم على إشراك قوى محلية في الإدارة التنفيذية ضمن نطاق جغرافي محدد، مقابل تثبيت المرجعية السيادية للمركز. وتُقرأ بعض الخطوات الإدارية في مناطق أخرى بوصفها مؤشرات على قبول ترتيبات انتقالية تهدف إلى تسهيل الاندماج التدريجي، مع التأكيد أن خصوصية الجنوب تختلف بفعل حساسيته الإقليمية واتصاله المباشر بملفات الحدود والجولان.

في المقابل، يلقي الجمود في المسار غير المعلن بين دمشق وتل أبيب بظلاله على المشهد العام، إذ تشير المعطيات إلى توقف المفاوضات غير المباشرة التي كانت تُدار عبر وسطاء إقليميين خلال الأسابيع الماضية، نتيجة خلافات حول طبيعة الترتيبات الأمنية في الجنوب. فقد طالب الجانب الإسرائيلي بضمانات طويلة الأمد تتعلق بالوجود الإيراني ونشاط الفصائل الحليفة لطهران، إضافة إلى ترتيبات رقابية مشددة، فيما ربطت دمشق أي تفاهم أمني شامل بمكاسب سياسية أوسع، من بينها إعادة طرح ملف الجولان، وهو ما لم يحظَ بجدية مقابلة.

وأدى هذا التعثر إلى توجه واضح نحو ترتيب الداخل أولاً عبر تسويات محلية تخفف الضغوط وتُظهر قدرة الدولة على إدارة الجنوب بعيداً عن مظلة تفاوضية إقليمية.

في الوقت نفسه، يلعب النسيج الاجتماعي في السويداء دوراً محورياً في تحديد مآلات أي اتفاق، في ظل وجود تيارات متباينة بين من يفضّل تسوية مرحلية تحفظ الاستقرار وتجنّب المواجهة، وبين من يتحفظ على أي عودة موسعة للأجهزة الأمنية خشية تقويض الحراك المحلي. وتشير المناقشات أيضاً إلى أهمية الضمانات المعنوية، مثل احترام خصوصية المحافظة، وعدم ملاحقة ناشطين على خلفيات سياسية، وفتح قنوات تواصل مباشرة بين ممثلي المجتمع المحلي والسلطة المركزية، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن الترتيبات الأمنية.

وتبقى السيناريوهات مفتوحة بين نجاح الصيغة المقترحة وتحولها إلى نموذج مرن لتسويات داخلية في مناطق أخرى، أو تعثر مرحلي بسبب الخلاف على التفاصيل التنفيذية بما يبقي الوضع القائم، أو تصعيد مفاجئ قد تفرضه تطورات إقليمية أو انهيار كامل للمسارات التفاوضية غير المباشرة، ما قد يعيد توظيف الجنوب كورقة ضغط في الصراع الأوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce