«مجلس السلام» في واشنطن… وعود ترمب تحت الاختبار بين إعادة إعمار غزة وتعقيدات الداخل الأميركي
«مجلس السلام» في واشنطن… وعود ترمب تحت الاختبار بين إعادة إعمار غزة وتعقيدات الداخل الأميركي
شهدت العاصمة الأميركية واشنطن افتتاح «مجلس السلام»، في خطوة يسعى من خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكريس مبادرته السياسية المرتبطة بملف السلام في الشرق الأوسط، ولا سيما في قطاع غزة، في توقيت يتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، حيث تتحول السياسة الخارجية إلى عنصر أساسي في المنافسة الداخلية وتقييم الأداء الرئاسي أمام الناخبين.
ويأتي إطلاق المجلس في إطار محاولة تحويل الوعود السياسية إلى مسار عملي يواكب مرحلة ما بعد الحرب في غزة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الإدارة الأميركية على ترجمة الخطط المعلنة إلى خطوات تنفيذية، في ظل التحديات السياسية والمالية التي يفرضها الواقع الداخلي الأميركي، إضافة إلى التعقيدات الإقليمية المتصاعدة.
وقد حظي الاجتماع الأول بمشاركة واسعة ضمت أكثر من أربعين دولة بين أعضاء ومراقبين، ما اعتُبر مؤشراً على اهتمام دولي بالملف، إلا أن مواقف الخبراء أظهرت مزيجاً من الترحيب الحذر والتشكيك بجدوى المجلس وآليات عمله. فبينما أُشير إلى أن بعض المشاركين يتمتعون بخبرة عميقة في شؤون المنطقة، برزت مخاوف من غياب رؤية استراتيجية واضحة تضمن تحويل النقاشات إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وخلال الاجتماع، جرى الإعلان عن تعهدات مالية لإعادة إعمار غزة بلغت نحو سبعة مليارات دولار من عدة دول، إلى جانب مساهمة أميركية متوقعة تصل إلى عشرة مليارات دولار، غير أن هذه الأرقام ما زالت في إطار التعهدات الأولية، في ظل غياب آلية تنفيذية واضحة لتخصيص الأموال أو جدول زمني محدد للصرف، ما يطرح تساؤلات حول مدى واقعية هذه الالتزامات، خصوصاً في ظل الحاجة لموافقة الكونغرس على أي تمويل بهذا الحجم.
ويرى مختصون أن التحديات المالية تتضاعف مع دخول الولايات المتحدة موسماً انتخابياً حساساً، حيث يصبح تمرير مخصصات مالية ضخمة أكثر تعقيداً، في ظل اعتبارات العجز الاقتصادي وحسابات المشرعين المرتبطة بمواقف الناخبين. كما يشير مراقبون إلى أن أي خطوة تمويلية كبيرة قد تخضع لمراجعات دستورية وقضائية إذا لم تمر عبر القنوات التشريعية التقليدية.
وفي موازاة الملف المالي، برزت مسألة نشر قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة كأحد أبرز محاور النقاش، مع ترحيب نسبي بمشاركة دول تمتلك خبرة ميدانية في عمليات حفظ السلام، لا سيما في مجالات التدريب والتنسيق. إلا أن صيغة القيادة المقترحة، التي تتضمن إشرافاً أميركياً من دون وجود قوات أميركية على الأرض، أثارت تساؤلات حول فعالية القيادة والسيطرة، وطبيعة إصدار الأوامر ضمن قوة متعددة الجنسيات.
ويؤكد خبراء أن نجاح أي مهمة من هذا النوع يتطلب تخطيطاً استراتيجياً أكثر وضوحاً، يشمل آليات التدريب والتنسيق العملياتي وتحديد الأدوار بدقة، إضافة إلى ربط الاستقرار الأمني بمسار سياسي متكامل، بما في ذلك معالجة ملف السلاح وإرساء ترتيبات أمنية مستدامة داخل القطاع.
بالتوازي مع الخطاب الداعي للسلام، يبرز عامل إقليمي ضاغط يتمثل في تصاعد التوتر مع إيران، حيث يشير محللون إلى أن أي تصعيد عسكري محتمل في المنطقة قد يطيح بالخطط المتفائلة المطروحة لغزة، ويعيد ترتيب الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، ما يضع «مجلس السلام» أمام اختبار جدي لمدى استمراريته وقدرته على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية.
ويضاف إلى ذلك ما وصفه مراقبون بالتناقض بين الحديث عن مشاريع السلام وإعادة الإعمار من جهة، وتعزيز الحضور العسكري الأميركي في المنطقة من جهة أخرى، وهو ما قد ينعكس على مواقف الدول المشاركة وعلى مستوى الدعم السياسي للمجلس في المرحلة المقبلة.
داخلياً، تشكل علاقة الإدارة الأميركية بالكونغرس عاملاً حاسماً في مستقبل المجلس، إذ إن الموافقة على التمويل تبقى بيد السلطة التشريعية، التي قد تتأثر بدورها بحسابات الانتخابات النيابية المقبلة. ورغم امتلاك الرئيس هامشاً سياسياً واسعاً، فإن تمرير قرارات مالية كبرى دون توافق تشريعي قد يفتح الباب أمام نزاعات دستورية أو ضغوط سياسية متزايدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو «مجلس السلام» بمثابة اختبار مزدوج لسياسة واشنطن الخارجية: اختبار لجدية الالتزامات تجاه إعادة إعمار غزة وتحقيق الاستقرار، واختبار في الوقت نفسه لقدرة الإدارة الأميركية على موازنة طموحاتها الدبلوماسية مع القيود السياسية والانتخابية الداخلية، في مشهد إقليمي ودولي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متقلبة.



