
السياسة المالية في لبنان تحت المجهر: ارتفاع الإيرادات واختلال هيكلي في النفقات رغم الفوائض
السياسة المالية في لبنان تحت المجهر: ارتفاع الإيرادات واختلال هيكلي في النفقات رغم الفوائض
عاد الجدل حول الزيادات الضريبية الأخيرة إلى تسليط الضوء على طبيعة السياسة المالية المعتمدة، ولا سيما حجم الفوائض المحققة في الموازنة العامة خلال العام الماضي، وكيفية توظيفها في موازنة العام الحالي، إضافة إلى تأثير الرسوم والضرائب الجديدة على بنية الإيرادات والنفقات العامة.
تشير البيانات المالية المنشورة إلى أن الإيرادات العامة الفعلية ارتفعت خلال عام 2025 إلى نحو 6 مليارات دولار، بزيادة تقارب 20 في المئة مقارنة بإيرادات عام 2024، كما تجاوزت التقديرات الواردة سابقاً في الموازنة، ما دفع إلى اعتماد هذا المستوى من الإيرادات ضمن تقديرات موازنة 2026.
وتُظهر بنية الإيرادات أن الضرائب والرسوم على الاستهلاك الداخلي تشكل الكتلة الأكبر، بنسبة تتجاوز 47 في المئة من إجمالي الإيرادات، وتشمل الضريبة على القيمة المضافة والرسوم المفروضة على السلع والخدمات. تليها الرسوم والضرائب على التجارة الدولية بنسبة تقارب 13.7 في المئة، والتي تتركز بشكل أساسي في الرسوم الجمركية على السلع المستوردة. أما الضرائب المباشرة على الدخل، بما فيها ضرائب الأرباح والرواتب، فلا تتعدى نسبتها نحو 10.7 في المئة من إجمالي الإيرادات، في حين تشكل الإيرادات غير الضريبية، مثل عائدات قطاع الاتصالات وغيرها من القطاعات التي تديرها الدولة، حوالي 18.39 في المئة. وتأتي الضرائب على الممتلكات بنسبة تقارب 6.69 في المئة، فيما تبقى الإيرادات الأخرى ضمن هامش محدود لا يتجاوز 3 في المئة.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الخلل البنيوي في النظام الضريبي، حيث تبقى الضرائب المباشرة التصاعدية محدودة مقارنة بالضرائب غير المباشرة، وهو نموذج قائم منذ تسعينيات القرن الماضي، ما يفرض الحاجة إلى إصلاحات جذرية في النظام الضريبي تتجاوز الإجراءات الظرفية المرتبطة بالموازنات السنوية. وفي هذا السياق، يُنتظر أن تطرح وزارة المالية مشروع تعديل على نظام ضريبة الدخل، رغم عدم اتضاح تفاصيله حتى الآن.
ورغم الارتفاع الملحوظ في الإيرادات، إلا أنها لا تزال دون ثلث مستويات الإيرادات التي كانت الدولة تحققها قبل أزمة عام 2019، ما يعكس استمرار تراجع دور القطاع العام الاقتصادي، ويؤكد أن استعادة التوازن المالي تتطلب تصحيحاً تدريجياً في الإيرادات والنفقات، بالتوازي مع الحد من الاقتصاد غير النظامي وتحفيز النمو الاقتصادي لزيادة الأنشطة الخاضعة للضريبة.
في المقابل، تكشف أرقام الموازنة الحالية عن هيكلية إنفاق يغلب عليها الطابع الجاري، إذ تستحوذ المنافع الاجتماعية على الحصة الأكبر بنسبة تقارب 27.25 في المئة، وتشمل التعويضات والمخصصات لموظفي القطاع العام وأسرهم، تليها الرواتب والأجور بنسبة 23.66 في المئة، مع توقع ارتفاعها بعد إجراءات تصحيح الأجور. أما النفقات الرأسمالية فلا تتجاوز 12 في المئة، ما يعكس ضعف الاستثمار في البنية التحتية، فيما تبلغ النفقات الإدارية نحو 10 في المئة، وتصل التحويلات والنفقات الأخرى إلى حوالي 27.11 في المئة.
وتُبرز هذه المؤشرات سيطرة النفقات الجارية، خصوصاً الرواتب والمنافع الاجتماعية، على أكثر من نصف الإنفاق العام، مقابل تدنٍ واضح في الإنفاق الاستثماري القادر على دعم النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد، وهو ما يشكل تحدياً إضافياً في ظل الأزمة الاقتصادية ومسار التعافي المالي المنتظر. ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية الإيرادات المتاحة، ما يدفع الدولة إلى توجيه القسم الأكبر منها لتغطية النفقات الأساسية والتشغيلية.
في المحصلة، توضح أرقام الموازنة أن جوهر الإشكالية المالية لا يرتبط بزيادة ضريبة أو رسم محدد بقدر ما يرتبط بخلل بنيوي في المالية العامة، نتج عن السياسات الضريبية المعتمدة منذ نهاية الحرب الأهلية، إضافة إلى تداعيات الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019، ولا سيما تدهور سعر صرف العملة وانعكاساته على الإيرادات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة النظام الضريبي لزيادة الإيرادات وتعزيز الإنفاق الاستثماري، مع توسيع دور الضرائب المباشرة التصاعدية، بالتوازي مع إطلاق نقاش جدي حول مشروع قانون ضريبة الدخل قيد الإعداد.



