
رواتب القطاع العام تشعل الشارع اللبناني… والحكومة تحاذر الانفجار المالي
رواتب القطاع العام تشعل الشارع اللبناني… والحكومة تحاذر الانفجار المالي
بعد عام على تشكيلها، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها في مواجهة موجة متصاعدة من التحركات المطلبية، في ما يشبه إعلانًا بانتهاء مرحلة السماح الشعبي، على خلفية تفاقم الأوضاع المعيشية واستمرار تداعيات الانهيار المالي والنقدي الذي بدأ عام 2019. وقد شكّلت مناقشات موازنة عام 2026 في مجلس النواب الشرارة التي أعادت إشعال الشارع، مع تحركات تصدّرها العسكريون المتقاعدون، والأساتذة المتعاقدون، وموظفو القطاع العام، وسط إعلان رابطة موظفي الإدارة العامة توسيع الإضراب ليشمل مختلف الإدارات الرسمية.
ويطالب العاملون في القطاع العام بإقرار تصحيح جذري للأجور عبر سلسلة رتب ورواتب جديدة، في ظل التآكل الكبير في القدرة الشرائية، علمًا أن آخر سلسلة أُقرت عام 2017، وأسهمت حينها، إلى جانب عوامل أخرى، في تعميق الاختلالات المالية بسبب غياب الإصلاحات البنيوية واعتماد مصادر تمويل غير مستدامة. وتتعاطى الحكومة بحذر مع هذه المطالب، رافضة إقرار أي سلسلة جديدة خشية تكرار سيناريو الانهيار، فيما يجري البحث في زيادات محدودة قد ترفع الرواتب إلى نحو 50 في المائة من مستواها قبل الأزمة.
ويبرز جوهر الإشكالية في بقاء أساس الرواتب على سعر صرف قديم لا يعكس الواقع النقدي الحالي، ما أدى إلى اعتماد بدلات ومساعدات ظرفية لتعويض الموظفين جزئيًا عن الخسائر. هذا الواقع انعكس مباشرة على تعويضات نهاية الخدمة، وأبقى رواتب معظم العاملين في القطاع العام عند مستويات تقل بنحو النصف مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2019، رغم تراجع الكلفة الإجمالية للأجور على خزينة الدولة.
في هذا السياق، يتصدر العسكريون المتقاعدون واجهة التحركات، معبرين عن معاناة تمتد أيضًا إلى العسكريين في الخدمة الفعلية، حيث تتراوح الرواتب الحالية بين مستويات متدنية لا تتناسب مع طبيعة المهام والمسؤوليات. ويرفض ممثلوهم تحميل زيادات الرواتب مسؤولية الانهيار المالي، معتبرين أن الخلل الأساسي يكمن في سوء إدارة القطاع العام، واستمرار التوظيف العشوائي، وغياب المحاسبة. ويطالبون برفع الرواتب تدريجيًا لتصل إلى نصف قيمتها السابقة كحد أدنى، على أن تُستكمل الزيادة على مراحل.
ولا يختلف وضع الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي كثيرًا، إذ يتقاضون بدل ساعة أدنى مما كان عليه قبل الأزمة، في حين استفادت فئة محدودة من تحسينات طالت أساتذة الملاك فقط. ويؤكد المتعاقدون، الذين يشكّلون الغالبية الساحقة من الجسم التعليمي، أن الحل الجذري يبدأ بالتثبيت في الملاك، إلى جانب تعديل بدل النقل وزيادة أجر الساعة بما ينسجم مع كلفة المعيشة الحالية.
اقتصاديًا، يرى خبراء أن هذه التحركات لا تعبّر عن نزاع عابر على الأجور بقدر ما تكشف عمق الانسداد المالي والاقتصادي، في ظل موازنة محدودة الحجم، تعتمد بشكل شبه كامل على الضرائب، وتفتقر إلى أي رؤية إصلاحية أو استثمارية. ويحذّر هؤلاء من أن أي زيادة غير مدروسة ستُموّل حتمًا عبر ضرائب ورسوم إضافية، ما سيؤدي إلى امتصاص مفاعيلها سريعًا بفعل التضخم، ويعيد تحميل العبء للفئات نفسها.
ويجمع المتخصصون على أن العودة إلى إقرار سلسلة رتب ورواتب شاملة من دون نمو اقتصادي فعلي وتمويل مستدام قد تؤدي إلى انهيار أشد قسوة، معتبرين أن الحل الحقيقي يبدأ بإعادة هيكلة القطاع العام، ورفع إنتاجيته، ومكافحة الفساد، وفصل الإدارة عن الزبائنية السياسية والطائفية، بدل الاكتفاء بإجراءات ترقيعية لا تعالج جذور الأزمة.



