
في ليل بيروت… حين نلتقي بنسخة كان يمكن أن نكونها
في ليل بيروت… حين نلتقي بنسخة كان يمكن أن نكونها
بقلم رئيس التحرير إنفينيني
وفاء فواز
هنا في بيروت
وفي ليلة لا تشبه سواها
في مدينة خُلقت لتكون مفترقًا
بين الفرح والحزن
بين ما نعيشه
وما نتمنى لو عشناه
كان اللقاء
لم يكن حدثًا عابرًا
ولا تفصيلًا صغيرًا في يوم طويل
كان شرخًا خفيفًا في الذاكرة
كأنه يقول لي
تذكّر… أنت ما زلت قادرًا على الشعور
كانت بيروتية
تحمل جنون هذه المدينة
من دون أن تحاول شرحه
وتحمل ثقافتها
كشيء فطري
كأنها لم تتعلّمه
بل وُلد معها
ومعها شعرت، لوهلة
أنني أقف أمام حياة
كان يمكن أن تكون لي
لو أن الطريق انعطف قبل سنوات
بدرجة أقل قسوة
وأنا؟
لم أكن سوى نفسي
غريبا أنهكته الاسئلة
يحمل تاريخه لا على شكل إنجازات
بل على شكل محاولات
رجل لم يهرب من وطنه
بل من نسخةٍ قديمة من نفسه
لم تعد تشبهه
ولا يعرف كيف يدفنها
جئت إلى بيروت
لا بحثًا عن حب
ولا عن امرأة
بل عن أثرٍ
لحلمٍ قديم
كان يسكنني طفلًا
حلمًا بسيطًا
أن أكون حيث أشبه نفسي
وحيث الحب لا يحتاج تبريرًا
ولا يُقاس بالخوف
ولا يُختصر بالواجب
كبرتُ…
فاكتشفت أن الحياة
لا تسألنا عمّا نريده
بل عمّا نقبل به
وجدتني في حبٍ لا يشبهني
ومع امرأة لا أرى نفسي في ملامحها
وفي دينٍ أُريد له أن يكون سياجًا
لا نافذة
وفي بيتٍ يصلح للسكن
لكن لا يصلح للروح
وبين أصدقاء
كانوا موجودين
ولم يكونوا سندًا
في بيروت
ومعها
عاد ذلك الطفل
لم يعد قويًا
لكنه كان حاضرًا
ينظر إليّ ويبتسم بسخرية
كأنه يسألني
أهذا كل ما استطعتَ إنقاذه منّي؟
رأيت الحلم
في شوارع لم أعرفها من قبل
لكنها عرفتني
وفي وجوه بيروتيين
كان من المفترض
أن يكونوا جزءًا من حياتي
منذ زمن.
ورأيت امرأة
لو التقيتها في وقتٍ آخر
لربما كانت سيدتي
وربما كنت لها
رجلًا لا يعتذر عن نفسه
لكن “ربما”
هي لغة بيروت الأولى
مدينة لا تعطيك إجابات
بل تضعك أمام احتمالات
تُوجعك بقدر ما تُحييك
في ليلك يا بيروت،
أحلامي أكثر صدقًا
وأخطائي أكثر وضوحًا
وحنيني أقل خجلًا
هنا، لا أضطر لأن أكون قويًا
ولا أن أشرح لماذا تعبت
ولا لماذا خذلني الشغف
وغادرني الفارس المحارب
الذي كنت أظنه
سيبقى حتى النهاية
قل لي يا بيروت…
هل نحن نضيع لأننا أخطأنا الطريق؟
أم لأننا صدّقنا
أن الطريق واحد
ولا بديل عنه؟



