
تصعيد الخليج يقرع ناقوس الخطر: اقتصاد لبنان أمام اختبار النفط والتضخم
تصعيد الخليج يقرع ناقوس الخطر: اقتصاد لبنان أمام اختبار النفط والتضخم
تتجاوز تداعيات أي تصعيد عسكري محتمل في منطقة الخليج العربي حدود الجغرافيا الإقليمية، لتطال الاقتصاد العالمي بأسره، وسط مخاوف جدية من اضطراب سلاسل الإمداد والطاقة. فالخليج يشكّل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، إذ يمر عبر مياهه نحو ربع النفط المنقول بحرًا، فيما يعبر ما يقارب خُمس إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالميًا من مضيق هرمز، ما يجعل أي توتر فيه عاملًا قادرًا على إحداث صدمة واسعة النطاق في الأسواق.
في هذا السياق، جرى تداول سيناريوهات عدّة حول كيفية إدارة الولايات المتحدة لأي ضربة محتملة ضد إيران، بما في ذلك توقيت عسكري مدروس لتخفيف انعكاساته على الأسواق المالية. غير أن هذه المقاربات تبدو محدودة الفعالية إذا ما تسبّبت التطورات بتداعيات استراتيجية طويلة الأمد، إذ سرعان ما ستواجه الأسواق العالمية اضطرابات في أسعار الطاقة وأمن الإمدادات، بغض النظر عن توقيت الحدث.
لبنان، بوصفه بلدًا مستوردًا بالكامل تقريبًا للطاقة، سيكون من بين الاقتصادات الأكثر تأثرًا. فقد سبق لمصرف «جي. بي. مورغان» أن رجّح ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 120 و130 دولارًا للبرميل في حال تعطّل خطوط الإمداد في الخليج. ووفق هذا السيناريو، يُتوقّع أن تقفز أسعار المحروقات محليًا إلى نحو الضعف، ما سينعكس ضغطًا مباشرًا على معدلات التضخم وحاجة البلاد المتزايدة إلى العملات الأجنبية.
وتشير الأرقام إلى أن لبنان استورد مشتقات نفطية بقيمة تقارب 2.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الماضي، أي ما يوازي نحو 4.6 مليارات دولار سنويًا. وفي حال تضاعفت أسعار النفط عالميًا، فإن فاتورة الاستيراد ستسلك المسار نفسه، ما يعني تضاعف الطلب على العملات الصعبة، مع ما يحمله ذلك من تأثيرات محتملة على توازنات سوق القطع، من دون أن يعني بالضرورة فقدان السيطرة على سعر الصرف في المدى القريب.
أما على مستوى الميزان التجاري، فقد سجّل لبنان عجزًا قُدّر بنحو 12.27 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، أي ما يعادل أكثر من 16 مليار دولار سنويًا. ومع ارتفاع أسعار النفط واستمرار التوتر لفترة طويلة، يُتوقّع أن يرتفع العجز الشهري بنسبة تفوق 28 في المئة، بالتوازي مع زيادة حصة المشتقات النفطية من إجمالي الواردات، وتراجع استهلاك السلع الأخرى نتيجة تقلّص القدرة الشرائية.
وعلى صعيد التضخم، كان لبنان قد شهد خلال العام الماضي تباطؤًا نسبيًا، مع تسجيل معدل يقارب 14.8 في المئة، وهو الأدنى منذ بداية الأزمة، مدفوعًا باستقرار نسبي في سعر الصرف وتراجع كلفة النقل والطاقة. إلا أن أي قفزة جديدة في أسعار النفط ستعيد إشعال الضغوط التضخمية، خصوصًا أن كلفة المحروقات تشكّل عنصرًا أساسيًا في أسعار السلع والخدمات كافة، ما يجعل تأثيرها شاملًا على مختلف أبواب الإنفاق.
التداعيات لن تقتصر على لبنان وحده. فالدول النامية المستوردة للنفط ستواجه ضغوطًا متزايدة على ميزان المدفوعات واحتياطاتها من العملات الأجنبية، ما يهدد استقرارها النقدي والاجتماعي، ويضاعف الأعباء على الفئات الأكثر هشاشة. في المقابل، ستتمتع الاقتصادات الصناعية الكبرى، كالصين والاتحاد الأوروبي، بهامش أوسع للمناورة، لكنها لن تكون بمنأى عن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع هوامش الربح، ما قد يقود إلى تباطؤ اقتصادي في حال طال أمد التصعيد.
أما الولايات المتحدة، فرغم امتلاكها إنتاجًا نفطيًا محليًا واحتياطات استراتيجية تقلّص مخاطر أمن الطاقة، إلا أن صناعاتها ستتأثر بدورها بارتفاع الأسعار العالمية، لتواجه تحديات مشابهة لتلك التي ستطال الاقتصادات الصناعية الأخرى.



