
التصعيد مع إيران يضع أسعار النفط العالمية على حافة الانفجار
التصعيد مع إيران يضع أسعار النفط العالمية على حافة الانفجار
يقف سوق النفط العالمي في حالة ترقّب حذر مع تصاعد الحديث عن احتمالات مواجهة عسكرية مع إيران، حيث تتحول أي إشارة تصعيد، وخصوصًا إذا ارتبطت بالولايات المتحدة، إلى عامل كفيل بدفع الأسعار خارج نطاق الاستقرار خلال فترة زمنية وجيزة. فعلى الرغم من أن إيران تُعد منتجًا متوسط الحجم من حيث الأرقام، إلا أن موقعها الجيوسياسي ودورها داخل منظومة الطاقة العالمية يمنحانها تأثيرًا يتجاوز حجم إنتاجها الفعلي.
وتنتج إيران حاليًا نحو 3.3 ملايين برميل نفط يوميًا، في وقت يبلغ فيه الإنتاج العالمي قرابة 108 ملايين برميل، بينما يصل إنتاج منظمة «أوبك» إلى نحو 26 مليون برميل يوميًا. هذا الوزن النسبي يجعل أي اضطراب في الإمدادات الإيرانية عاملًا حساسًا في تسعير النفط، خصوصًا أن نحو 90% من الصادرات الإيرانية تتجه إلى السوق الصينية، ما يحوّل العلاقة النفطية بين طهران وبكين إلى محور اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية. وعلى الرغم من العقوبات المفروضة منذ سنوات، واصلت إيران تصدير نفطها عبر قنوات ملتوية، مستفيدة من شبكات شحن غير تقليدية وارتفاع المخزونات العائمة كإجراء وقائي أو نتيجة لتعقيدات التسليم.
ويكتسب الدور الإيراني داخل «أوبك» بعدًا إضافيًا لكونه يمثل ما يقارب 12% من إجمالي إنتاج المنظمة، وهي نسبة كافية لإحداث تقلبات ملحوظة في السوق عند أي خفض أو زيادة مفاجئة. فالسوق لا تتعامل مع إيران بوصفها دولة منتجة فحسب، بل باعتبارها عنصر مفاجأة دائم، سواء من حيث احتمال تراجع الإمدادات أو عودتها بقوة، وهو ما يُترجم عادة بعلاوة مخاطر تُضاف إلى الأسعار. ورغم القيود التي تفرضها العقوبات، لا يزال الإنتاج الإيراني يشكل جزءًا مؤثرًا من معادلة «أوبك»، إذ يخصص قسم منه للاستهلاك المحلي، بينما تُنقل الكميات المتبقية عبر ما يُعرف بـ«أساطيل الظل».
في المقابل، تشير معطيات العرض العالمي إلى دخول كميات إضافية من النفط إلى السوق، خصوصًا من الولايات المتحدة وغيانا، بالتوازي مع شروع تحالف «أوبك+» في التراجع التدريجي عن التخفيضات الطوعية. كما تتوقع مؤسسات دولية أن يتجاوز المعروض الطلب خلال عام 2026، ما يوحي بوجود فائض نظري في السوق. غير أن هذا التوازن الحسابي يبقى هشًا أمام أي صدمة جيوسياسية، لا سيما إذا طالت طرق الشحن أو البنية التحتية للطاقة.
ويبرز مضيق هرمز في صلب هذه المخاوف، باعتباره الشريان الأهم لعبور النفط والغاز في العالم. فعلى الرغم من أن إغلاقه الكامل يُعد سيناريو بالغ التعقيد، إلا أن مجرد تعطيل الملاحة فيه أو تهديد أمنه كفيل برفع كلفة التأمين وإبطاء حركة الشحن، ما ينعكس مباشرة على الأسعار. وتمر عبر هذا الممر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المسال المتجهة إلى أوروبا وآسيا، في وقت لا تتوافر فيه طاقات فائضة عالمية قادرة على تعويض أي انقطاع واسع.
أما في حال تطور التوتر إلى ضربة عسكرية، فإن تأثيرها على السوق سيعتمد بشكل أساسي على طبيعة الأهداف. فاستهداف منشآت نفطية أو مرافئ تصدير رئيسية داخل إيران قد يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة جدًا، وربما يتجاوز سعر البرميل حاجز المئة دولار. أما إذا اقتصرت الضربة على أهداف غير مرتبطة مباشرة بالطاقة، فقد يقتصر التأثير على ارتفاع مؤقت في الأسعار ناتج عن زيادة المخاطر السياسية، من دون حدوث صدمة حقيقية في الإمدادات.
وتُضاف إلى هذه المعادلة هشاشة الوضع الاقتصادي الداخلي في إيران، حيث تعاني البلاد من تراجع حاد في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، في ظل عقوبات متراكمة منذ عقود، تعززت بحزم جديدة استهدفت قطاع الطاقة وشبكات الشحن المرتبطة به. ويُنظر إلى هذه الضغوط على أنها عامل يقيّد هامش المناورة الإيرانية، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حساسية أي تطور أمني قد يدفع طهران إلى خيارات تصعيدية.
ويبقى السيناريو الأخطر مرتبطًا باتساع رقعة المواجهة لتشمل دول الخليج أو ممرات الطاقة الحيوية، إذ قد يؤدي ذلك إلى خروج ملايين البراميل من السوق يوميًا، ما يشكل صدمة إمدادات عالمية حقيقية. عندها، لن يكون فائض العرض المتوقع كافيًا لاحتواء الاضطراب، وقد تتحول السوق سريعًا من حالة توازن هش إلى حالة ذعر واسعة النطاق.
في المحصلة، لا تقتصر أهمية إيران في سوق النفط على حجم إنتاجها، بل تمتد إلى موقعها الجغرافي، ودورها داخل «أوبك»، واعتماد صادراتها على الصين، إلى جانب حساسية مضيق هرمز. وبين ضربة محدودة وتأثير قابل للاحتواء، ومواجهة واسعة تمس الطاقة العالمية، يقف سعر البرميل عند مفترق طرق تحكمه السياسة بقدر ما تحكمه الأرقام.



