
السلاح خارج الدولة في لبنان… عون يحدّد الموقف ويكشف الخيارات
السلاح خارج الدولة في لبنان… عون يحدّد الموقف ويكشف الخيارات
أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن خطاب القسم شكّل خريطة الطريق الأساسية لعهده، مشددًا على أنه خلاصة تجربة عسكرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، منها سنوات طويلة في قيادة الجيش، ولم يكن يومًا مجرد إعلان نظري بل التزام فعلي يسعى إلى تطبيقه تدريجيًا وفق الإمكانات والظروف. وأوضح أن تحقيق كل الأهداف لا يمكن أن يتم خلال عام واحد، إلا أن ما أُنجز حتى الآن لا يمكن تجاهله، لا سيما الحفاظ على الاستقرار ومنع الانهيار رغم الضغوط الداخلية والتحديات الإقليمية والدولية.
وأشار عون إلى أن اللبنانيين يتطلعون قبل أي شيء إلى السلم الأهلي والوفاق الوطني، معتبرًا أن الدولة نجحت خلال الفترة الماضية في التوفيق بين متطلبات السيادة، ومساعي استعادة الأراضي المحتلة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، مؤكدًا أن العمل جارٍ على إعادة تثبيت مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها.
وفي حديث تلفزيوني، شدد رئيس الجمهورية على أن موقع الرئاسة هو موقع تحكيمي لا يجوز أن يكون طرفًا، لافتًا إلى أن ممارسة الصلاحيات هي جوهر السلطة. واستعرض أرقامًا تعكس انتظام العمل الدستوري، من حيث عدد المراسيم الصادرة وجلسات مجلس الوزراء والقرارات المتخذة، معتبرًا أن هذه الوقائع تؤكد أن الحكم يُمارس بالفعل، وأن قوة الموقع لا تُقاس فقط بالنصوص بل بالأداء.
وفي ما يتعلق بحصرية السلاح، أوضح عون أن هذا المبدأ منصوص عليه في اتفاق الطائف ومذكور بوضوح في خطاب القسم والبيان الوزاري، نافياً بشكل قاطع أن يكون مطلبًا خارجيًا مفروضًا على لبنان. وأكد أن حصرية السلاح وقرار السلم والحرب تشكلان ركيزة أساسية لبناء الدولة، وأن القرار في هذا الشأن اتُخذ داخل مجلس الوزراء، فيما يتولى الجيش اللبناني التنفيذ وفق إمكاناته.
وأشار إلى أن الجيش استكمل سيطرته العملانية على منطقة جنوب الليطاني، موضحًا أن هذه السيطرة تعني القدرة على منع أي عمليات عسكرية والتدخل الفوري عند الحاجة، مع الإقرار بصعوبة تفتيش كل المناطق الوعرة خلال فترة قصيرة. ولفت إلى أن الأهم هو منع استخدام الجنوب كنقطة انطلاق لأي أعمال عسكرية.
وأكد رئيس الجمهورية أن الجيش يواصل أداء واجباته في الجنوب وسائر المناطق، في ظل تعاون متزايد على الأرض، مشددًا على أن تطبيق حصرية السلاح يشمل جميع المجموعات المسلحة، بما فيها السلاح الفلسطيني خارج إطار الدولة. وأوضح أن سحب السلاح من بعض المخيمات بدأ بالفعل، وأن هذا المسار يتطلب وقتًا وواقعية نظرًا لتعدد مهام الجيش من حفظ الأمن وضبط الحدود إلى مكافحة الإرهاب والمخدرات، في ظل إمكانات محدودة.
وتوقف عون عند التضحيات التي يقدمها الجيش، كاشفًا أن 12 عسكريًا استشهدوا أثناء التعامل مع متفجرات في الجنوب، بينهم عناصر من الهندسة، ما دفع المؤسسة العسكرية إلى طلب دعم تقني إضافي لاستكمال مهامها بأمان.
وفي موقف لافت، قال رئيس الجمهورية إن السلاح الذي وُجد في مرحلة سابقة أدى وظيفة معينة في ظل غياب الدولة، إلا أن تلك الظروف لم تعد قائمة اليوم. وأضاف أن الجيش اللبناني بات موجودًا وقادرًا على حماية البلاد، معتبرًا أن استمرار هذا السلاح خارج إطار الدولة أصبح عبئًا على بيئته وعلى لبنان ككل، ولم يعد يشكل عنصر ردع فعلي. ودعا إلى قراءة واقعية للمتغيرات الإقليمية والدولية، والتعاطي بعقلانية مع المرحلة الراهنة.
ووجّه عون رسالة مباشرة إلى القوى السياسية المعنية، داعيًا إياها إلى الانخراط الكامل في مشروع الدولة، مؤكدًا أن حماية اللبنانيين مسؤولية الدولة وحدها، وأن منطق القوة يجب أن يُستبدل بقوة المنطق. وشدد على أن القرار لبناني سيادي، وأن مصلحة البلاد تقتضي التعاون الداخلي لأن لا أحد سيقاتل نيابة عن لبنان أو يحميه بدلًا من مؤسساته.
وفي الشأن الدبلوماسي، أوضح عون أن تعيين السفير سيمون كرم للمشاركة في لجنة “الميكانيزم” تم بقرار لبناني خالص وبالتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، نافيًا أي تدخل أو طلب خارجي. واعتبر أن الخيارات المتاحة أمام لبنان محصورة بالدبلوماسية والاقتصاد أو الحرب، مشددًا على أن التجارب أثبتت أن الحروب تنتهي دائمًا بالتفاوض، وأن اعتماد المسار الدبلوماسي يفتح باب الحلول بدل البقاء في دائرة الجمود.
وأكد الرئيس أن علاقته برئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام قائمة على التفاهم والتشاور، نافياً وجود أي صيغة “ترويكا”، ومعتبرًا أن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي في نظام ديمقراطي، فيما الخلافات السابقة أثبتت كلفتها الباهظة على البلاد.
وفي ما يتعلق بإبعاد شبح الحرب، رأى عون أن الجهود السياسية والدبلوماسية، إلى جانب زيارة البابا إلى لبنان والمشاركة في آليات التواصل الدولية، ساهمت في خفض منسوب التوتر، معتبرًا أن خطر الحرب الشاملة تراجع، وإن لم يختفِ كليًا، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
وحول ما أُثير عن وجود ضباط من النظام السوري السابق في لبنان، أكد عون أن الأجهزة الأمنية نفذت مداهمات وتحققّت من المعطيات المتداولة، ولم يثبت وجود أي تهديد من هذا النوع، مشيرًا إلى استمرار التنسيق مع الجانب السوري في هذا الإطار.
كما شدد على أن لبنان لن يكون منصة لتهديد أي دولة، وأن سياسة المحاور أرهقت البلاد وألحقت بها أثمانًا باهظة، مؤكدًا أن القرار الرسمي يقضي بحصر المواقف الخارجية بالمؤسسات الدستورية.
وفي ملف إعادة الإعمار، أعلن عون أن الحكومة ستناقش قريبًا الآلية التنفيذية، بعد إقرار قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، مع السعي لعقد مؤتمر دولي للمانحين. وأكد أن الدولة وحدها تتحمل مسؤولية إعادة بناء ما تهدّم، لأن الممتلكات المتضررة تعود للبنانيين، ولا يجوز ترك هذا الملف لأي جهة خارج إطار الدولة.
أما في ملف الأسرى، فأكد رئيس الجمهورية أنه يطرحه باستمرار في لقاءاته الداخلية والخارجية، كاشفًا أن إسرائيل ترفض حتى الآن السماح للصليب الأحمر بزيارة الأسرى اللبنانيين أو الاطلاع على أوضاعهم، ومؤكدًا أنه لن يتخلى عن هذا الملف.
وأشاد عون بالتنسيق غير المسبوق بين الجيش والأجهزة الأمنية، معتبرًا أن هذا التعاون انعكس نجاحًا في مكافحة المخدرات وضبط الحدود والجريمة، وفي فرض الأمن خلال المناسبات الكبرى، إضافة إلى تقدم ملموس في مكافحة الفساد بالتكامل مع القضاء.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار إلى مؤشرات إيجابية خلال عام 2025، من نمو اقتصادي وتحسن في إيرادات الدولة وارتفاع احتياطي العملات الأجنبية، مؤكدًا أن البلاد ورثت وضعًا شديد الصعوبة، لكن المسار الإصلاحي بدأ يعطي نتائج تدريجية، مع توقعات بأن يكون عام 2026 أفضل.
وفي ما خص المخيمات الفلسطينية، أكد عون أن السلاح داخلها بات عبئًا على الفلسطينيين أنفسهم، مشيرًا إلى تعاون قائم مع السلطة الفلسطينية، وإلى جهود أمنية مستمرة لضبط الوضع، وتفكيك المخيمات غير الشرعية، مع الحفاظ على الاستقرار.



