أخبار دولية

بغداد تترقب استحقاقي الرئاسة والحكومة وسط خلافات حادة

بغداد تترقب استحقاقي الرئاسة والحكومة وسط خلافات حادة

مرّت عملية انتخاب رئيس مجلس النواب العراقي بسلاسة لافتة وضمن الأطر الدستورية المحددة، إلا أن هذا المشهد لم ينسحب على الاستحقاقين التاليين، إذ يواجه العراق تعقيدات سياسية متزايدة في مسار اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وسط تصدعات واضحة داخل المكونات الرئيسية.

وعلى الرغم من أن النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 بُني نظريًا على مبدأ التوافق بين القوى المختلفة، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحوّل ملموس نحو منطق فرض الإرادة من قبل القوى الأكثر تمثيلًا داخل البرلمان، لا سيما القوى الشيعية التي باتت تمسك بمفاصل القرار السياسي. هذا التحول تجلّى بوضوح في انتخاب رئيس البرلمان، حيث حال الرفض الشيعي دون عودة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي إلى المنصب، رغم تقدّم كتلته في الانتخابات التشريعية.

وتتجه الأنظار الآن إلى منصب رئيس الجمهورية، الذي يُتوقع أن يشهد سيناريو مشابهًا في حال استمرار الانقسام الكردي حول اسم المرشح. ففي ظل غياب توافق كردي موحّد، تبدو الكفة مائلة لمصلحة القوى الشيعية التي نجحت خلال الفترة الماضية في تكريس مبدأ “الأغلبية السياسية”، ما جعل الحديث عن التوافق جزءًا من الماضي السياسي القريب.

ومنذ أول انتخابات برلمانية بعد عام 2005، استقر العرف السياسي على توزيع الرئاسات الثلاث وفق معادلة واضحة: رئاسة البرلمان من حصة المكون السني، رئاسة الجمهورية من نصيب الكرد، ورئاسة مجلس الوزراء للمكون الشيعي. محاولات كسر هذا العرف لم تنجح، بل أدت في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية، كما حدث عندما طُرحت مطالبات بإعادة توزيع هذه المناصب، ما أسهم في توسيع هوة الخلافات بين القوى السنية والكردية والشيعية.

وبحسب الدستور العراقي، يُنتخب رئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا من انعقاد الجلسة الأولى. ومع إغلاق باب الترشيح، تقدم عشرات المرشحين للمنصب، غالبيتهم من المكون الكردي، في مؤشر واضح على عمق الانقسام داخل البيت الكردي نفسه. ويستند الاتحاد الوطني الكردستاني إلى اتفاق سياسي قديم يمنحه أولوية هذا المنصب، فيما يرى الحزب الديمقراطي الكردستاني أن ثقله البرلماني بات يؤهله للمنافسة الجدية عليه، ما انعكس بتقديم أكثر من مرشح.

هذا الانقسام يُنذر بجلسة برلمانية معقدة قد تنتهي دون حسم من الجولة الأولى، كما حصل في دورات سابقة، حيث ينص الدستور على الانتقال إلى جولة ثانية بين المرشحين الأعلى أصواتًا، ليُحسم المنصب بالأغلبية البسيطة. وحتى الآن، لم تعلن القوى الشيعية أو السنية دعمًا صريحًا لأي مرشح، غير أن المؤشرات تميل إلى دعم شخصية مقربة من القوى الشيعية، في ظل تحالفات تاريخية راسخة.

أما على صعيد رئاسة الحكومة، فلا تبدو الصورة أقل تعقيدًا. فالإطار التنسيقي، الذي أعلن نفسه الكتلة النيابية الأكبر، لم يحسم بعد اسم مرشحه لرئاسة الوزراء، رغم امتلاكه الحق الدستوري في ذلك وفق تفسير المحكمة الاتحادية. وتتقاطع داخل الإطار أسماء عدة، من بينها رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إضافة إلى حيدر العبادي الذي يُطرح كخيار توافقي محتمل في حال تعذّر الاتفاق.

وتزداد ضبابية المشهد مع استمرار الخلافات الكردية والشيعية، في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية متصاعدة تتطلب حكومة مستقرة بصلاحيات كاملة وقادرة على اتخاذ قرارات حاسمة. ومع تعقّد المسارات السياسية، يبقى تشكيل الحكومة الجديدة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطبقة السياسية على تجاوز خلافاتها وتقديم حلول تلبّي تطلعات الشارع العراقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce