
تل أبيب تصعّد تهديداتها وتربط التفاوض بخيار الحرب على لبنان
تل أبيب تصعّد تهديداتها وتربط التفاوض بخيار الحرب على لبنان
كثّفت إسرائيل في الأيام الأخيرة منسوب التهديدات بشأن شن هجوم واسع على لبنان، بالتزامن مع حديث الإعلام العبري عن توقع عقد جولة ثانية من المحادثات بين بيروت وتل أبيب خلال الفترة القريبة. ويأتي هذا التصعيد في إطار حملة دعائية إسرائيلية تروّج لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، بذريعة انتهاء المهلة الممنوحة للحكومة اللبنانية أواخر الشهر الحالي من دون تحقيق ما تصفه تل أبيب بـ«تقدّم ملموس» في ملف نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني وشماله.
وبرزت هذه التهديدات عبر تقارير بثتها قناة «كان» العبرية تحدثت عن خطة عسكرية إسرائيلية «جاهزة» لتنفيذ هجوم واسع على حزب الله في حال فشل الحكومة اللبنانية في تفكيك ترسانته. كما ترافقت مع رسائل تحذير إسرائيلية نُقلت إلى بيروت عبر قنوات عربية وغربية، وهو ما أكده وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، مشيرًا إلى تلقي الحكومة تحذيرات عبر جهات إقليمية ودولية، وإلى وجود اتصالات دبلوماسية تهدف إلى منع التصعيد.
وبقراءة أعمق لسياق التهديدات الإسرائيلية، يتبيّن أنها تستند إلى ثلاثة دوافع رئيسية. الأول يرتبط مباشرة بآلية المفاوضات المرتقبة، إذ تسعى تل أبيب إلى التأكيد أن المسار العسكري يواكب المسار التفاوضي، وأن خيار القوة يبقى حاضرًا لحسم ملف حزب الله. أما الدافع الثاني، فيتصل بمعلومات عن نية الحكومة اللبنانية إبلاغ الجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بأنها نزعت نحو 80 في المئة من سلاح الحزب جنوب الليطاني، مقابل مطالبة إسرائيل بالانسحاب من التلال الخمس التي لا تزال تحتلها. وفي هذا السياق، يبدو التصعيد الإسرائيلي محاولة استباقية للتشكيك في التزامات بيروت، في ظل تأكيدات أمنية إسرائيلية بعدم وجود نية للانسحاب من الأراضي التي احتُلت خلال الحرب الأخيرة.
أما الدافع الثالث، فيتمثل في نقل ساحة الجدل إلى الداخل اللبناني، عبر الضغط السياسي والإعلامي تحت عنوان «منع تدمير لبنان»، بما يعمّق الخلافات الداخلية بين الدولة اللبنانية وحزب الله، بدل إبقاء المواجهة محصورة مع إسرائيل.
ورغم هذه الأبعاد، لا تُعدّ التهديدات مجرد ضغط إعلامي، إذ تشير تحليلات إسرائيلية إلى أن تل أبيب تستعد فعليًا لسيناريو عدوان أوسع، في إطار استراتيجية أمنية جديدة أعقبت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تقوم على الانتقال من سياسة «احتواء التصعيد» إلى «الضربة الاستباقية». وفي هذا الإطار، لجأ الإعلام العبري إلى استضافة محللين من أصول لبنانية للتأكيد على «جدية» التهديدات، وتسويق صورة عن تصاعد الخلاف بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وصولًا إلى السجال العلني حول ملف سلاح الحزب.
وفي السياق نفسه، تحدث محرر الشؤون السياسية في التلفزيون الإسرائيلي الرسمي عن نية إسرائيل استهداف منشآت تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تكبح هذا الخيار حتى الآن، لكنه لفت إلى أن الملف اللبناني سيكون حاضرًا على جدول لقاء مرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية الشهر الجاري، وسط محاولات أميركية لتذليل نقاط الخلاف في الجولة الثانية من المفاوضات.
من جهته، رأى محللون عسكريون إسرائيليون أن السؤال لم يعد مرتبطًا بإمكانية التصعيد، بل بتوقيته، معتبرين أن التحذيرات تحمل بعدين، أحدهما سياسي يتعلق بقرب انتهاء المهلة الزمنية، والآخر تكتيكي مرتبط بالظروف الجوية، إذ يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى ظروف مناسبة لتنفيذ عمليات واسعة أو خوض جولات استنزاف طويلة.
وعلى الرغم من ذلك، لا تفصل الدوائر الإسرائيلية بين المسارين الدبلوماسي والعسكري، إذ تنظر إلى قناة التفاوض المباشر مع لبنان بوصفها «فرصة استراتيجية» رمزية، مع إقرارها بأن فرص التوصل إلى اتفاق أمني أو سياسي شامل تبقى محدودة في ظل استمرار وجود حزب الله. وفي المقابل، تدعو مراكز أبحاث وخبراء أمنيون في إسرائيل إلى اعتماد سياسة طويلة الأمد تقوم على إضعاف الحزب استراتيجيًا، مع إبقاء الخيار العسكري حاضرًا بالتوازي مع الضغوط الدبلوماسية والإقليمية.



