متفرقات

كتب شفيق طاهر في المدن

تواجه إيران اليوم واحدة من أعقد الأزمات البيئية في تاريخها المعاصر، حيث تتقاطع أزمة الكهرباء وشحّ المياه وتلوث الهواء لتكوّن ثلاثية تهدد حياة أكثر من ثمانين مليون مواطن

كتب شفيق طاهر في المدن

تواجه إيران اليوم واحدة من أعقد الأزمات البيئية في تاريخها المعاصر، حيث تتقاطع أزمة الكهرباء وشحّ المياه وتلوث الهواء لتكوّن ثلاثية تهدد حياة أكثر من ثمانين مليون مواطن، وتكشف عن عمق الفجوة بين الموارد الطبيعية والسياسات الحكومية. هذه الأزمات لم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل هي نتاج تراكمات تمتد لعقود من سوء الإدارة، والاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، وتداعيات التغير المناخي، فضلاً عن العقوبات الاقتصادية التي كبلّت قدرة الدولة على التحديث والاستثمار.

 

 

 

أولًا: أزمة الكهرباء… عجز هيكلي خلف ستار الدعم الحكومي

 

بالرغم من أن إيران تمتلك واحداً من أكبر احتياطات الغاز في العالم، فإنها تعاني من انقطاعات متكررة للكهرباء، خصوصاً في فصلي الصيف والشتاء.

 

تقدّر القدرة الإنتاجية الاسمية لمحطات الكهرباء الإيرانية بنحو 90 جيغاواط، غير أن القدرة الفعلية أقل بكثير بسبب قدم المحطات، وتراجع كفاءتها، وغياب الصيانة المنتظمة. بعض المحطات يعود تاريخ إنشائها إلى أيام الشاه أي ثمانينيات القرن الماضي، وتعتمد على تقنيات لم تعد قادرة على مواكبة الطلب المتزايد في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان وشيراز.

 

وتتفاقم أزمة نقص الوقود في الشتاء، إذ تُحوّل الحكومة أغلب إمدادات الغاز لتدفئة المنازل، ما يضطر محطات الكهرباء إلى استخدام زيت الوقود الثقيل، الذي لا يوفر طاقة مستقرة فحسب، بل يزيد أيضاً من تلوث الهواء. أما في الصيف، فيرتفع استهلاك الكهرباء بسبب التكييف والتبريد، فيظهر عجز جديد في الشبكة، خصوصا مع ضعف القدرة على إنتاج المزيد من الطاقة.

 

إلى جانب ذلك، يؤدي الدعم الحكومي الشامل لأسعار الكهرباء إلى تفاقم الهدر، إذ يدفع المواطنون أسعاراً زهيدة لا تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج، ما يضعف الوعي بترشيد الاستهلاك. ومع تراكم ديون الحكومة تجاه منتجي الكهرباء، تتراجع الاستثمارات في الطاقات المتجددة التي لا تزال تُمثل أقل من 2% من إجمالي الإنتاج الوطني.

 

وتزيد ظاهرة تعدين العملات الرقمية، التي انتشرت خلال الأعوام الأخيرة، الضغط على الشبكة، حيث تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء بشكل غير قانوني، وهو الأمر الذي اضطر السلطات إلى حملات متكررة لإغلاق مزارع التعدين.

 

 

 

ثانياً شح المياه… بين الجفاف وسوء الإدارة

 

تُعتبر أزمة المياه أخطر تهديد وجودي لإيران في القرن الحادي والعشرين. فالبلاد التي كانت تمتلك نظاماً زراعياً متطوراً في التاريخ القديم، تعاني اليوم من تراجع خطير في مخزونها المائي بسبب التغير المناخي، والإفراط في استهلاك المياه الجوفية، وسوء توزيع الموارد.

 

تُسجل إيران خلال العقدين الأخيرين انخفاضاً مستمراً في معدلات الأمطار، يقابله ارتفاع في درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين، ما يزيد معدلات التبخر. النتيجة كانت جفاف العديد من الأنهار والبحيرات، وعلى رأسها بحيرة أرومية في الشمال الغربي للبلاد، التي تحولت إلى أرض ملحية بعد أن كانت من أكبر البحيرات في الشرق الأوسط.

 

لكن المناخ وحده لا يُفسر الأزمة، فالعامل الحاسم هو الإدارة الحكومية للموارد المائية. خلال العقود الماضية، أنشأت السلطات عشرات السدود بهدف دعم الزراعة وتوليد الكهرباء، لكن من دون دراسات بيئية كافية، ما غيّر مجاري الأنهار وأخل بالتوازن المائي بين الأقاليم. كما أدّى دعم الحكومة لمحاصيل تستهلك كميات كبيرة من الماء، مثل القمح، إلى استنزاف المياه الجوفية بشكل كارثي.

 

تُقدّر أعداد الآبار غير المرخصة في إيران بأكثر من نصف مليون بئر، تستخدم لري الأراضي في مناطق شبه قاحلة، ما تسبب في هبوط الأرض وتشققها في محافظات مثل أصفهان وكرمان ويزد، وهي ظاهرة تهدد البنية التحتية والمساكن.

 

أما في المدن، يتجلى شح المياه في الانقطاعات اليومية وتراجع جودة المياه بسبب تلوث المصادر السطحية، بينما يشتد التنافس بين الأقاليم الإيرانية على تحويل مجاري الأنهار. وقد شهدت محافظات الأهواز وخرمشهر احتجاجات واسعة بسبب نقص المياه، تخللتها شعارات تنتقد سوء الإدارة أكثر مما تنتقد الجفاف نفسه.

 

 

 

ثالثاً تلوّث الهواء… المدن تختنق بالدخان والمازوت

 

إذا كانت الكهرباء والمياه تعبران عن فشل في البنية التحتية، فإن تلوث الهواء يعكس فشلاً في السياسات البيئية.

 

تُصنّف طهران اليوم ضمن أكثر المدن تلوثاً في العالم، إذ يُقدّر عدد الأيام غير الصحية بأكثر من 200 يوماً سنوياً من اصل 365 يوماً، وذلك وفق بيانات وزارة الصحة الإيرانية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معدلات الجسيمات الدقيقة (PM2.5) تتجاوز المعايير العالمية بخمسة أضعاف في الشتاء.

 

يعود ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

 

حرق المازوت في محطات الكهرباء والمصانع عندما ينقص الغاز الطبيعي، ما يطلق كميات هائلة من الكبريت والرماد.

 

الازدحام المروري وأسطول المركبات القديم، حيث يتجاوز عمر ملايين السيارات والشاحنات 20 عاماً، وتفتقر إلى أنظمة فلترة حديثة.

 

الظروف الجغرافية والمناخية، إذ تقع طهران في وادٍ تحيط به الجبال، ما يؤدي إلى ظاهرة “الانقلاب الحراري” التي تحبس الملوثات في طبقات الجو السفلى.

 

ولا يقتصر الأمر على المدن الكبرى، فالعواصف الغبارية القادمة من العراق وسوريا والخليج العربي أصبحت مصدراً إضافياً لتدهور نوعية الهواء، خصوصاً في غرب إيران.

 

أمام هذه الأزمة، اكتفت الحكومة بإجراءات مؤقتة مثل تعليق الدراسة والعمل خلال الأيام الملوثة، بدلا من تطبيق سياسات دائمة لإصلاح أسطول النقل أو الحد من استخدام المازوت في توليد الطاقة.

 

 

 

الأسباب المشتركة… والسياسة الغائبة

 

وراء هذه الأزمات الثلاث، تكمن أزمة إدارة شاملة ترتبط بالبنية السياسية والاقتصادية للدولة.

 

ففي ظل العقوبات الدولية والعزلة الاقتصادية، تعتمد إيران على مواردها الداخلية من دون قدرة كافية على استيراد التكنولوجيا الحديثة أو جذب استثمارات في الطاقات النظيفة. كما أن هيمنة المؤسسات الحكومية والحرس الثوري على قطاعي الطاقة والزراعة تجعل من الإصلاحات مسألة سياسية حساسة أكثر منها تقنية.

 

في المقابل، لم تُفلح الخطط الخمسية للتنمية في تحقيق توازن بين الاستهلاك والإنتاج، أو بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. ومع أن الحكومات الإيرانية تعلن بين الحين والآخر عن مشاريع إنتاج من الطاقة المتجددة من الشمس والرياح، إلا أنها تبقى محدودة مقارنة بالاحتياجات الفعلية.

 

ويشير خبراء البيئة الإيرانيون إلى أن استمرار سياسات الدعم والإنفاق غير المستدام سيقود إلى كارثة بيئية واجتماعية خلال العقد المقبل، مع احتمال نزوح سكان مناطق قاحلة بسبب نقص المياه وتلوث الهواء.

 

 

 

إيران في مفترق بيئي خطير

 

إنّ الأزمات الثلاث الكهرباء، المياه، والهواء ليست منفصلة؛ بل مترابطة في دورة واحدة من الاعتماد على الوقود الأحفوري وسوء التخطيط والضغوط السياسية. فحين يحرق المازوت لتعويض نقص الكهرباء، يتلوث الهواء، وحين تستهلك المياه الجوفية لتغذية الزراعة المفرطة، تجف البحيرات، وحين تتأخر الإصلاحات بسبب العقوبات والبيروقراطية، يتعمق الخلل.

 

تحتاج إيران إلى رؤية بيئية وطنية جديدة تُوازن بين التنمية وحماية الموارد، تعيد النظر في سياسات الدعم، وتفتح الباب أمام الطاقات المتجددة، وإدارة مائية علمية، ونظام نقل نظيف.

 

من دون ذلك، ستظل إيران أسيرة دوامة من الظلام والعطش والدخان ثلاثية تختصر مأزق الدولة بين الثروة الطبيعية والاختناق البيئي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce