
خطة تجهيز المستشفيات الحكومية: وعود إصلاح كبرى تصطدم بتحدّي التمويل والاستدامة
خطة تجهيز المستشفيات الحكومية: وعود إصلاح كبرى تصطدم بتحدّي التمويل والاستدامة
بعد عقود من التراجع، يجد القطاع الصحي الحكومي في لبنان نفسه أمام فرصة جديدة لإعادة النهوض، مع إطلاق خطة واسعة لتجهيز المستشفيات الحكومية بتمويل من البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية. فالمستشفيات الرسمية التي خسرت قدرتها على استقطاب المرضى، وتحولت في العديد من المناطق إلى مراكز رعاية أولية عاجزة عن تقديم خدمات متكاملة، تقف اليوم أمام مرحلة إصلاح يُفترض أن تضعها على مسار منافسة القطاع الخاص من جديد.
تدهور المستشفيات الحكومية كان نتيجة مباشرة للفساد وغياب التمويل والحوكمة، ما جعل فئات واسعة من اللبنانيين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، غير قادرة على تحمّل كلفة الاستشفاء في القطاع الخاص. ومع وصول حكومة نواف سلام، وجد عنوان الإصلاح طريقه نحو هذا القطاع الذي يحتاج إلى تغيير جذري يضمن استدامة العمل والتمويل.
وزارة الصحة قدّمت الخطة تحت عنوان «خطة تجهيز المستشفيات الحكومية: نحو إصلاح وإنماء صحي متوازن»، واعتبر وزير الصحة ركان ناصر الدين أنها تشكّل «وصفة خلاص» للمنظومة الصحية، مستنداً إلى تحوّلات أساسية تتعلّق بتوفير المعدات الطبية، وتوسيع التغطية الصحية، وتحديث الإدارة داخل المستشفيات. وأعلن عن توسعة التغطية الصحية لأكثر من 40 عملية، تشمل جراحات القلب والأورام وزرع الأعضاء، إضافة إلى حملات التشخيص المبكر لسرطان الثدي في أكثر من 50 مستشفى متعاقداً مع الوزارة، وتغطيات جديدة ستُضاف تدريجياً.
كما تحدّث ناصر الدين عن توسيع البروتوكولات العلاجية للسرطان والأمراض المستعصية، وإضافة نسبة كبيرة من الأدوية الجديدة إلى المناقصات، إلى جانب تعزيز البرنامج الوطني للسرطان. وفي إطار ضبط سوق الدواء، أشارت الوزارة إلى إقرار المراسيم التطبيقية للوكالة الوطنية للدواء، وتجهيز المختبر المركزي، واعتماد أنظمة تتبّع للحدّ من التزوير والتهريب.
امتدت الصورة الإيجابية نحو مراكز الرعاية الأولية، التي سيجري تعزيزها بأدوية ومعدات جديدة، مع إعادة تفعيل شبكة تضم أكثر من 330 مركزاً في مختلف المناطق. وعلى المستوى الإداري، عملت الوزارة على تحسين آليات دفع المستحقات للمستشفيات والأطباء، وإطلاق مشروع الاعتماد لتصنيف المستشفيات وتعزيز الرقابة.
لكن على الرغم من الزخم الذي رافق إطلاق الخطة، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً باستدامة التمويل، إذ يعتمد القطاع الصحي الرسمي بنسبة 90% على الهبات والمساعدات، بينما تغطي إيرادات المستشفيات الحكومية ما لا يتجاوز ربع كلفة تشغيلها. وقد دفع انهيار الرواتب خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من الأطباء والممرضين إلى مغادرة القطاع، فيما أصبحت نسبة كبيرة من المواطنين عاجزة عن تغطية كلفة العلاج في المستشفيات الخاصة.
وأشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى أن نجاح الخطة يتطلب وضع استراتيجية واضحة للتشغيل والتمويل، إلى جانب الاستثمار في الكادر البشري والتدريب والتحول الرقمي. كما أن توقف التمويل الدولي للاستشفاء الخاص بالنازحين السوريين شكّل ضربة إضافية للمستشفيات التي كانت تعتمد على هذه الموارد.
وبينما يؤمل أن تُحدث الخطة أثراً ملموساً عبر استثمار يصل إلى 100 مليون دولار يشمل 36 مستشفى حكومياً وافتتاح خمسة مستشفيات جديدة، تتحدث مصادر في القطاع عن عقبات كبيرة تتعلق بالفساد، والعشوائية في إدارة المشتريات، والتفاوت في توزيع المساعدات، إضافة إلى مجالس إدارات منتهية الصلاحية ومدراء بقي بعضهم في مناصبهم منذ عقود.
ورغم ذلك، ترى المصادر أن الخطة قد تشكّل نقطة تحوّل إذا رافقتها إرادة سياسية وإدارية جدية، ولأن نحو 1.5 مليون مستفيد مباشر و4 ملايين غير مباشر ينتظرون ترجمة هذه الوعود إلى مسار استشفاء مستدام، فإن نجاحها يتوقف على قدرتها على تجاوز نظام المحسوبيات الذي عطّل القطاع العام لعقود.



