
إسرائيل أمام سوريا الجديدة: غارات واجتياحات تكشف «عدوانية بلا حدود» رغم عروض السلام
إسرائيل أمام سوريا الجديدة: غارات واجتياحات تكشف «عدوانية بلا حدود» رغم عروض السلام
في ليلة ماطرة من ليالي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وبينما كانت رام الله ترزح تحت هجوم عسكري إسرائيلي، جلس مسؤول فلسطيني في مقرّ قريب من الرئاسة يبتسم بمرارة قبل أن يقول: «لن أتحدث الآن عن فلسطين، بل عن سوريا». كان الرجل يريد الإشارة إلى أن سوريا باتت المثال الأوضح على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يرفض السلام فحسب، بل يسعى إلى فرض واقع إقليمي لا مكان فيه لجيرانٍ آمنين.
فالقيادة السورية الجديدة أعلنت منذ وصولها إلى دمشق أنها لا تشكل تهديداً لأي دولة مجاورة—including إسرائيل—وأنها اختارت النأي بنفسها عن الحروب، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد وتراجع النفوذ الإيراني. ومع أن هذا التحول كان من المفترض أن يفتح الباب أمام تهدئة تاريخية بين البلدين، فإن إسرائيل تعاملت معه كفرصة لتوسيع نفوذها العسكري.
ويقول المسؤول الفلسطيني إن «الإسرائيليين يتجاهلون أن سوريا الجديدة خالية من الميليشيات الإيرانية، ومع ذلك تتعرض لعدوان مستمر». فقد عرضت الولايات المتحدة وتركيا وأذربيجان التوسط لإطلاق محادثات مباشرة وغير مباشرة بين دمشق وتل أبيب، وأبدت سوريا استعداداً كبيراً لتسوية سياسية شاملة، وصلت إلى حد البحث في اتفاق سلام كامل مقابل استعادة الأراضي المحتلة، مع دراسة خيارات وسط مثل تأجير الجولان لسنوات أو العودة إلى تفاهمات 1974. حتى إن دمشق لم تستبعد الانضمام إلى «الاتفاقيات الإبراهيمية» ضمن مقاربة جديدة غير مسبوقة.
لكن في المقابل، ردّت إسرائيل بالتصعيد. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنت نحو 500 غارة جوية على المطارات والقواعد العسكرية السورية، ما أدى إلى تدمير 85 في المائة من القدرات الدفاعية. كما سيطرت على مساحة تقارب 450 كيلومتراً مربعاً تمتد من جبل الشيخ حتى درعا، مع عمليات توغل بري وصلت إلى عمق 20 كيلومتراً، وإنشاء 9 مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ إذ عملت إسرائيل على تغذية صراع داخلي بذريعة «حماية الدروز»، رغم أن الدروز داخل إسرائيل أنفسهم يعانون من التمييز منذ عقود. كما اتهمت القيادة السورية الجديدة بارتباطات قديمة مع «جبهة النصرة»، في حين أن المستشفيات الإسرائيلية كانت خلال سنوات الحرب قد استقبلت مقاتلين جرحى من التنظيم ذاته وقدمت لهم العلاج.
وفي الأيام الأخيرة، كشفت مصادر إسرائيلية أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «وبّخ» نتنياهو بسبب سلوكه تجاه سوريا الجديدة، مطالباً بإجراء تغيير جذري في المقاربة، بناء على طلب سعودي مباشر. ويرى كثيرون أن البيت الأبيض تحت قيادة ترمب هو الجهة الوحيدة القادرة حالياً على كبح جماح نتنياهو.
لكن إلى أن يظهر هذا الضغط بنتائجه على الأرض، يبرز سؤال جوهري في المنطقة: أي رسالة تريد إسرائيل إيصالها إلى جيرانها حين تواجه عرض سلام غير مسبوق بسلسلة من الغارات والاعتداءات؟



