
من ذروة السلطة إلى الهامش: التحوّل الدرامي للطائفة العلوية في سوريا بعد سقوط الأسد
من ذروة السلطة إلى الهامش: التحوّل الدرامي للطائفة العلوية في سوريا بعد سقوط الأسد
لم تكن الطائفة العلوية في سوريا تتخيل يوماً أنها ستجد نفسها مهددة ومستضعفة في بلد حكمه أحد أبنائها نصف قرن. التاريخ لا يمنح امتيازاً دائماً، وما عرفه العلويون منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم مثال صارخ على تحوّل موقع طائفة من قلب السلطة إلى أطراف المجتمع في جيل واحد.
قبل حكم حافظ الأسد، كان العلويون جماعة مهمّشة تعيش في جبال اللاذقية، تعمل بالزراعة والمهن الموسمية، وتواجه نظرة اجتماعية ودينية دونية. لم يكن لهم نفوذ سياسي أو اقتصادي يُذكر، وكان الجيش هو البوابة الأولى نحو الدولة المركزية، فتسلّل الضباط العلويون تدريجياً إلى مواقع القرار في الجيش وأجهزة الأمن، بينما بقيت الطائفة خارج دائرة السلطة الفعلية.
مع صعود حافظ الأسد إلى السلطة، لم يصبح النظام “علوياً” بالمعنى الحرفي، بل كان يعتمد على العلويين كجزء من بنيته الأمنية والعسكرية، مع الإبقاء على السيطرة المطلقة بيد العائلة الحاكمة. لم يكن العلويون يحكمون، بل كانوا حراساً للسلطة، يعيش معظمهم في قرى فقيرة، بلا فرص اقتصادية حقيقية، ومقيدين برواتب الوظائف العسكرية والتحويلات.
مع وصول بشار الأسد إلى السلطة، ومع الاحتجاجات عام 2011، حُوّلت القرى العلوية إلى مستودعات بشرية للحرب، حيث جُند مئات الآلاف وراح عشرات الآلاف ضحية النزاع، بينما بقيت الطائفة بلا صوت سياسي مستقل، تدافع عن نظام لم تمنحها الدولة أدوات المشاركة فيه.
سقوط النظام كشف هشاشة الحماية التي كانت توفرها السلطة للطائفة، وبرزت فجأة مظلومية جديدة: العلويون لم يعودوا مجرد حماة للنظام، بل وجدوا أنفسهم في موقع هش أمام تداعيات التاريخ ذاته. الهجمات الأخيرة على الساحل، والمجازر والفوضى التي تلتها، عززت شعور العلويين بأنهم الطرف الأضعف في المعادلة السياسية الجديدة، وأن الدولة المركزية التي “حمَتهم” ظاهرياً تركتهم بلا حماية.
اليوم، تنظر الطائفة العلوية إلى المستقبل بعين جديدة، تبحث عن مكانتها الحقيقية في سوريا بعد سقوط الأسد، بعيداً عن حماية مزيفة أو تمثيل وهمي. شخصيات دينية واجتماعية بدأت تطرح خطاباً مختلفاً يقوم على شراكة سياسية وحقوق مدنية، فيما بدأ النقاش الداخلي يشمل الفيدرالية واللامركزية والضمانات الدستورية كوسائل لحماية الهوية والمشاركة السياسية.
بعد خمسين عاماً من الهيمنة الأمنية، يقف العلويون على عتبة إعادة تعريف كبرى، ليكون المستقبل للمرة الأولى مفتوحاً أمام خيارات حقيقية: تحديد دورهم، موقعهم في الدولة الجديدة، وإعادة بناء هويتهم خارج سلطة آل الأسد والخوف الطويل الذي عاشوه.



