
كيف خسرت إيران عمقها السوري؟ أربع روايات تكشف انهيار «خيمة المقاومة» بعد سقوط الأسد
كيف خسرت إيران عمقها السوري؟ أربع روايات تكشف انهيار «خيمة المقاومة» بعد سقوط الأسد
بعد 192 يوماً فقط على اللقاء الأخير بين المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، انهار النظام في دمشق لتجد طهران نفسها أمام زلزال سياسي لم تكن تقدّر حجمه. فالرهان الذي وضعه المرشد على الأسد، باعتباره حجر الزاوية في «محور المقاومة»، تحوّل سريعاً إلى اختبار قاسٍ لقدرة إيران على قراءة مشهد الصراع وتحولات الإقليم.
في ذلك اللقاء، قدم خامنئي خلاصة رؤيته لسوريا بوصفها دولة ذات «مكانة خاصة»، مشدداً على أن هويتها قائمة على المقاومة، ومعتبراً أن بقاء الأسد جزء من هذا الدور. أثنى المرشد على مقولات الأسد عن أن «كلفة المقاومة أقل من كلفة المساومة»، مثبتاً رهانه المتأخر على نظام كان ينزلق نحو الانهيار. وبعد سبعة أشهر فقط، سقط النظام، وظهرت في طهران أربع روايات متوازية حول ما جرى.
في خطاب ما بعد السقوط، حمّل خامنئي مسؤولية الانهيار لـ«مخطط أميركي – صهيوني» مدعوم إقليمياً، متحدثاً عن عراقيل حالت دون دعم إيران لدمشق، بينها الهجمات الإسرائيلية والأميركية وإغلاق طرق الإمداد. واعتبر أن الخلل الأكبر وقع داخل سوريا مع تراجع «روح المقاومة»، مؤكداً أن سقوط النظام لا يعني سقوط المشروع، وأن «الشباب السوري» قادر على إعادة إنتاجه مستقبلاً.
أما «الحرس الثوري»، فحافظ على لغة الأمن القومي، مستعيداً مقولة مهدي طائب عام 2013 بأن «سوريا هي المحافظة الخامسة والثلاثون»، في إشارة إلى عمقها الاستراتيجي بالنسبة لطهران. كان قاسم سليماني قد رسّخ هذه المقاربة عبر بناء شبكات عسكرية عابرة للحدود تحت شعار حماية العتبات. وبعد السقوط، بقي ميزان النجاح لدى «الحرس» مرتبطاً بقدرة هذه الشبكات على البقاء، لا بهوية من يحكم دمشق.
من جهته، حاول الجهاز الدبلوماسي رسم صورة أقل صدامية. فقد أوفد خامنئي مستشاره علي لاريجاني في جولة تطمينية، بينما ظهر وزير الخارجية عباس عراقجي قبل أسبوع من الانهيار في صورة «تتناول الشاورما» في دمشق، للتأكيد على أن الأمور طبيعية. لكن ما إن سقط النظام حتى تبنت الخارجية خطاباً دفاعياً، مؤكدة أن إيران «استجابت لطلب حكومة حليفة» من دون القدرة على تقرير مصير السوريين، في محاولة لفصل دورها عن الفشل.
الرواية الرابعة جاءت من الداخل الإيراني؛ إذ كشف مسؤولون سابقون عن الكلفة الهائلة للتدخل. فحشمت الله فلاحتبيشه قدّر الإنفاق الإيراني في سوريا بين 20 و30 مليار دولار، مشيراً إلى أن العوائد اقتصادية شبه معدومة، وأن الديون سُددت بـ«أراضٍ بلا نفط ومزارع فارغة ووعود لا قيمة لها». هذه المقاربة تحولت إلى ورقة ضغط داخلي تربط بين الأزمة الاقتصادية والإنفاق الخارجي.
على ضوء هذا المشهد المتشابك، تتأرجح المقاربات الإيرانية بين محاولات الحفاظ على نفوذ محدود عبر الوكلاء، وإعادة توزيع الجهد على ساحات أخرى مثل لبنان والعراق واليمن وغزة، أو التسلل بهدوء عبر اتفاقات ومشاريع محدودة، وصولاً إلى خيار «مأسسة الخسارة» وتحويل الملف السوري إلى جزء من الخطاب العقائدي الداخلي من دون رهان ميداني كبير.
رغم تعدد السيناريوهات، تتفق جميع الروايات على حقيقة باتت واضحة: سوريا لم تعد بالنسبة لإيران ما كانت تمثله قبل سقوط الأسد. ومع استمرار البحث عن موطئ قدم في المشهد السوري الجديد، يبقى السؤال الأكبر معلّقاً فوق طاولة صنع القرار في طهران: هل تستطيع إيران تحمّل مغامرة ثانية في سوريا بعدما انهار العمود السوري لـ«خيمة المقاومة»؟



