مقالات

صعود الدور السعودي: كيف تعيد الرياض صياغة توازنات الشرق الأوسط؟

صعود الدور السعودي: كيف تعيد الرياض صياغة توازنات الشرق الأوسط؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولًا جذريًا يتجاوز الأطر التقليدية التي حكمت سياساتها طوال عقود. فبعد زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن وما نتج عنها من اتفاقيات ومواقف أميركية لافتة، بدا واضحًا أن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإقليم قد انطلقت، مرحلة تمتد من الاقتصاد والتكنولوجيا إلى عمق الجغرافيا السياسية وتوازنات النفوذ، وتشمل الملفات الأمنية الممتدة من إيران إلى المشرق العربي والبحر الأحمر والسودان.

 

لم تعد المملكة مجرّد قوة مالية، بل أصبحت لاعبًا مركزيًا في صياغة توجهات المنطقة. وقد بدا ذلك جليًا عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده للتدخل شخصيًا في أزمة السودان استجابة لطلب ولي العهد، في دلالة على دور سعودي قادر على التأثير في مسار الملفات الإقليمية، لا مجرد التكيف معها. وتعامل الرياض مع هذه الملفات ينطلق من اعتبار الإقليم امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي ولمشاريعها الاقتصادية والتكنولوجية، ما يدفعها إلى اعتماد سياسة خفض التوتر والحفاظ على توازنات دقيقة تمنع أي انفجار يهدد خططها التنموية.

 

يقع الملف الإيراني في قلب هذه التوازنات. فالسعودية تدرك أن أي مواجهة مباشرة بين طهران وإسرائيل قد تمتد إلى الخليج وتهدد أمن الطاقة ورؤية 2030، ما جعلها تعمد إلى فتح قناة اتصال مباشرة مع الرئيس الإيراني قبل التوجه إلى واشنطن، وطرح مبادرة وساطة بين إيران والولايات المتحدة. ويُنظر إلى هذا التحرك باعتباره جزءًا من مقاربة سعودية تسعى إلى تجنيب المنطقة حربًا شاملة، من خلال مقايضة واقعية تشمل العودة إلى التفاوض وقبول مستوى رمزي من التخصيب الإيراني، مقابل منح المملكة حق التخصيب المدني وإطلاق كونسورتيوم نووي إقليمي وتأسيس بنك للوقود النووي.

 

في المقابل، ترى إدارة ترامب السعودية شريكًا أساسيًا في إدارة المنطقة، لما تمتلكه من أدوات تأثير سياسي واقتصادي وقدرة على ضبط التوترات الإقليمية. وتعتبر واشنطن أن مواجهة إيران تحتاج إلى قوة قادرة على الضغط والتهدئة في آن واحد، فيما لا تستطيع إسرائيل – بطابعها العسكري – أن تقود سوى المواجهات. وهنا يبرز الدور السعودي كقوة قادرة على احتواء التصلب الإيراني وعلى التعاون مع قوى إقليمية مثل تركيا ومصر وباكستان، إضافة إلى لعب دور يحدّ من اندفاع الحكومة الإسرائيلية نحو التصعيد.

 

أما الصين، فتمثل ملفًا حساسًا في العلاقات السعودية–الأميركية، خصوصًا في ظل خشية واشنطن من انتقال تقنيات متقدمة إلى بكين عبر مشاريع الذكاء الاصطناعي والاتصالات. وتحاول السعودية الموازنة بين الاستفادة من شراكتها الاقتصادية مع الصين، والحفاظ على موقعها داخل المنظومة التكنولوجية الغربية. وفي السياق نفسه، يبقى التنسيق مع روسيا محصورًا في إطار أوبك+، دون أن يرتقي إلى مستوى التحالف السياسي.

 

وفي ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل، تبدلت الحسابات بعد حرب غزة. فالسعودية باتت تتعامل مع هذا الملف كأداة تفاوض لا كهدف بحد ذاته، وترى أن تقديم خطوة سياسية كبرى في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة لا يحقق أي مكسب حقيقي، خصوصًا في ظل العودة القوية للقضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش الدولي وحتى الأميركي.

 

وبرز الدور السعودي بوضوح في السودان، حيث قادت منصة جدة أول محاولة جدية لوقف إطلاق النار في إطار شراكة سعودية–أميركية، وباتت الرياض محطة لا يمكن تجاوزها في أي مسار تفاوضي لاحق. كما يشكل البحر الأحمر مسرحًا رئيسيًا للتعاون الدفاعي بين الرياض وواشنطن، في ظل الهجمات الحوثية التي تهدد الملاحة الدولية وتفرض حاجة متبادلة إلى تنسيق أمني عالي المستوى.

 

وفي المشرق العربي، سدّت السعودية الفراغ الذي خلّفه تراجع أدوار مصر وسوريا والعراق، فعززت حضورها في ملفات إعادة بناء الدولة في سوريا، وفي مشاريع الربط الاقتصادي في العراق، ودورها الداعم لاستقرار الأردن. أما في لبنان، فتتبنى الرياض نهج “انتظار اللحظة”، أي الامتناع عن الانخراط في تسويات قصيرة الأمد بانتظار بروز رؤية لبنانية تستعيد الدولة.

 

وتعكس هذه التحولات صعود السعودية من دور المتفاعل مع الأحداث إلى موقع صانع السياسات الإقليمية. فمن الخليج إلى الساحل الإفريقي، ومن واشنطن إلى بكين، باتت المملكة لاعبًا يساهم في رسم مستقبل الشرق الأوسط وإعادة هندسة موقعه ضمن التوازنات الدولية، بما ينسجم مع رؤيتها الاقتصادية–التكنولوجية للعقود المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce