أخبار دولية

سباق النفوذ بين واشنطن وبكين: السعودية تعيد رسم خرائط القوة قبل زيارة بن سلمان

سباق النفوذ بين واشنطن وبكين: السعودية تعيد رسم خرائط القوة قبل زيارة بن سلمان

تعود قضية التعاون الصاروخي بين السعودية والصين إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين كشفت تقارير استخباراتية أميركية أن الرياض اشترت صواريخ باليستية استراتيجية من بكين من طرازات “دي إف-3” أو نسخ مطوّرة منها. كانت تلك الخطوة الأولى من نوعها في تاريخ المملكة، إذ امتلكت للمرة الأولى منظومات بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس تقليدية. هذا التحوّل وُصف حينها بأنه تحدٍّ مباشر للنفوذ الأميركي في الخليج، وأثار استياءً واضحاً داخل واشنطن التي رأت فيه توسعاً سعودياً نحو التكنولوجيا العسكرية الصينية خارج المظلة الأميركية.

 

لكن الدافع لم يكن مجرّد شراء سلاح. فمع اشتعال الحرب العراقية – الإيرانية، وجدت السعودية أن أمنها الإقليمي يتعرّض لضغط غير مسبوق، خصوصاً بعد استهداف إيران ناقلات النفط الخليجية ومحاولاتها ضرب الملاحة السعودية. وشعرت الرياض بأن التفوق الصاروخي الإيراني، المدعوم آنذاك بتعاون مع كوريا الشمالية، قد يهدد منشآتها الحيوية. وفي ظل القيود الأميركية الصارمة على بيع الأسلحة الهجومية بعيدة المدى، بما في ذلك الصواريخ الباليستية، اختارت المملكة التوجّه إلى الصين التي كانت مستعدة لتلبية طلباتها بلا شروط سياسية معقدة. هكذا حملت الصفقة رسالة سياسية واضحة: إثبات استقلالية القرار السعودي، وتذكير واشنطن بأن غيابها عن تلبية الاحتياجات الدفاعية للخليج يفتح الباب أمام لاعبين آخرين.

 

وعلى الرغم من التوتر الذي رافق الصفقة، تحوّلت لاحقاً إلى نقطة دفع للتعاون العسكري السعودي – الأميركي، إذ سارعت واشنطن إلى إعادة تقييم علاقتها الدفاعية مع الرياض، فوسّعت قنوات التنسيق، ودمجت الدفاع الجوي السعودي في شبكة الإنذار المبكر الأميركية في الخليج، وأنشأت مراكز مراقبة مشتركة للصواريخ، وقدّمت منظومة “باتريوت” بعد غزو صدام للكويت. هكذا أصبحت بكين، بشكل غير مباشر، بوابة جديدة لتعزيز التعاون السعودي – الأميركي.

 

لاحقاً، أدّى الضغط الأميركي وانضمام الصين إلى نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ في 1992 إلى شبه توقف التعاون العسكري الصيني – السعودي طوال عقد كامل. لكن مع نهاية التسعينات، عاد الطرفان إلى التواصل التدريجي، ومع مطلع الألفية تعزّزت الزيارات واللقاءات، وتطورت برامج التدريب وتبادل الخبرات. ومع صعود الأمير محمد بن سلمان وتبنّي “رؤية 2030″، دخل التعاون مرحلة أعمق، شملت شراء طائرات مسيّرة هجومية من طراز “وينغ لونغ” وتعاوناً تقنياً في تصنيع الصواريخ داخل المملكة، بحسب تقارير أميركية كشف عنها عامَي 2021 و2022.

 

في السنوات الأخيرة، برزت عوامل تذكّر ببيئة الثمانينات التي دفعت إلى التعاون الصاروخي الأول. فالهجوم على منشآت أرامكو عام 2019 وعدم الرد الأميركي الفعّال، إضافة إلى القيود التي فرضتها إدارة بايدن على التسليح السعودي، عززت الشكوك في قدرة واشنطن على توفير حماية كاملة للمملكة. ومع الضربة الإيرانية لقطر في يونيو الماضي، ثم الضربة الإسرائيلية في سبتمبر وعدم قدرة الولايات المتحدة على منعها، بدا أن السعودية تعود للبحث عن قدرات ردع مستقلة، سواء عبر تطوير صناعات محلية أو بعلاقات استراتيجية مع شركاء مثل الصين.

 

وبعد أيام من الضربة على الدوحة، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اتفاقاً دفاعياً استراتيجياً يقوم على مبدأ “العدوان على أحدهما هو عدوان على الآخر”، في صيغة تذكّر بالمادة الخامسة من حلف الناتو. ورغم عدم إعلان تفاصيل الاتفاق بالكامل، اعتُبر خطوة تعكس تراجع الثقة الخليجية بالمظلة الأمنية الأميركية ورغبة في تنويع البدائل.

 

هذا الاتفاق فتح باب التساؤلات حول الدور الصيني، خاصة أن باكستان تعتمد بنسبة 80% على السلاح الصيني. ويرى محللو “معهد الشرق الأوسط” أن الاتفاق يمنح الصين فرصة للمشاركة غير المباشرة في الأمن الخليجي من خلال نفوذها داخل الجيش الباكستاني. وينقل باحثون أميركيون أن صدقية التزام باكستان بالسعودية مرتبطة عملياً باستمرار الدعم الصيني لها، بينما تمنح “نظرية الردع الموسّع” بكين موقعاً يسمح لها بإرسال رسائل ردعية في محيط الخليج.

 

في المقابل، يقلل خبراء آخرون من حجم الدور الصيني. فالباحثة الباكستانية – البريطانية أرام أشرف ترى أن الاتفاق لا علاقة مباشرة لبكين به، وأن الصمت الصيني يعكس عدم شعورها بتهديد من هذا المسار، خصوصاً في ظل العلاقات الممتازة بين السعودية والهند، وهي نقطة تنظر إليها بكين من زاوية اقتصادية أكثر منها أمنية. ويرى خبراء باكستانيون أن الاتفاق يفتح مجالاً لدعم سعودي لبرامج تسليح الجيش الباكستاني، ما يخلق تفاعلاً غير مباشر بين الرياض وبكين، لكن من دون دخول صيني فعلي في الهيكل الأمني الخليجي.

 

من جهته، يعتبر الدكتور دو تشييوان أن الاتفاق يخدم مصالح السعودية وباكستان، لكنه يظل ذا طابع سياسي أكثر منه تحالفاً أمنياً شاملاً، فيما يشدد باحثون صينيون آخرون على أن التعاون السعودي – الأميركي يبقى العمود الفقري لاستراتيجية المملكة الدفاعية، وأن علاقاتها مع شركاء آخرين تعمل في نطاقات ثانوية محدودة.

 

وبينما أثارت الضربة الإسرائيلية على الدوحة شكوكاً حول مدى التزام واشنطن، يرى محللون أن ذلك دفع دول الخليج إلى البحث عن اتفاقيات دفاعية أكثر صلابة مع الولايات المتحدة، وهو ما يتقاطع مع ما يتردد حول ترتيبات جديدة ستُعلن خلال زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن. وتشير معلومات سعودية وأميركية إلى أن الزيارة قد تشهد توقيع اتفاقية دفاعية لا ترقى إلى مستوى المعاهدة، لكنها تمنح ضمانات أميركية موسّعة، بما في ذلك تزويد الرياض بمقاتلات “إف-35″، مع فصل هذا المسار عن ملف التطبيع مع إسرائيل الذي عطّلته إدارة بايدن سابقاً.

 

ووفق مصادر تحدّثت إلى “رويترز”، يتضمن الاتفاق الأميركي – السعودي المرتقب قيوداً تحدّ من التعاون العسكري والصناعي مع الصين. لكن تكرار سيناريو قطع العلاقات العسكرية كما حدث بعد صفقة الثمانينات يبدو غير مرجّح؛ فالصين اليوم قوة عالمية منافسة للولايات المتحدة، والسعودية لاعب اقتصادي محوري ينتهج سياسة تنويع واسعة لا يمكن لواشنطن تجاهلها. وهكذا تبدو المملكة في موقع يسمح لها بإعادة صياغة معادلة توازن جديدة بين الشرق والغرب، بينما تجد واشنطن نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الواقع بدلاً من مقاومته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce