مقالات

ضغوط أميركية تدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل: بين الرفض والحسابات الجديدة

ضغوط أميركية تدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل: بين الرفض والحسابات الجديدة

تتجه الأنظار مجددًا إلى ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، مع تصاعد الضغوط الدولية وتسارع التحولات الإقليمية التي تعيد رسم خريطة العلاقات في المنطقة. فالقضية لم تعد تقتصر على ترسيم الحدود أو ضمان الأمن، بل باتت تمسّ طبيعة العلاقة بين دولتين لا اعتراف متبادلاً بينهما، والخيارات التي سيتّخذها لبنان في التعامل مع هذا الواقع الجديد.

 

تغيّر المشهد الإقليمي بشكل ملحوظ، إذ باتت بعض الدول العربية ترى في الحوار المباشر وسيلة واقعية لإدارة المصالح، لا خرقًا للثوابت. ومع تولّي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم وبدئه جولات تفاوض علنية مع إسرائيل، دخلت دمشق مرحلة جديدة فتحت لها أبواب البيت الأبيض، في حين يجد لبنان نفسه أمام خيار صعب بين التمسّك بالإطار غير المباشر أو الانخراط في مسار تفاوضي مختلف، وسط ضغط أميركي متزايد يفضّل المفاوضات المباشرة.

 

الموفد الأميركي توم براك عبّر صراحة عن هذا الموقف، داعيًا رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون إلى التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمعالجة القضايا العالقة. ومع أن هذا الطرح مرفوض رسميًا في بيروت، إلا أن الأميركيين يدفعون باتجاه إشراك ممثلين سياسيين لبنانيين في أي مفاوضات غير مباشرة لتكريس طابع رسمي للعلاقة. في المقابل، تواصل إسرائيل ممارسة الضغط الميداني عبر الخروقات العسكرية اليومية وتصعيد الخطاب السياسي.

 

منذ حرب تموز 2006 وحتى اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، اعتمد لبنان نهج المفاوضات غير المباشرة، عبر وسطاء دوليين وتحت إشراف الأمم المتحدة، استنادًا إلى اعتبارات قانونية ودستورية تمنع أي تطبيع مباشر مع إسرائيل، إضافة إلى حساسية التوازنات الداخلية المرتبطة بموقف حزب الله ومحور الممانعة. كما يؤكد لبنان الرسمي التزامه بمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002، في إطار سلام شامل وعادل.

 

المفاوضات غير المباشرة تتيح للبنان إدارة النزاعات التقنية، مثل الحدود أو الترتيبات الأمنية، دون منح أي اعتراف سياسي، وهو ما يمنحه هامش مناورة أمام الضغوط الدولية. في المقابل، تشكّل المفاوضات المباشرة اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل وتفتح الباب أمام ملفات أوسع تتصل بالعلاقات المستقبلية وضمانات الأمن، ما يجعلها مثار جدل داخلي واسع.

 

النائب إلياس حنكش اعتبر في حديث لـ”المدن” أن شكل المفاوضات ليس الأساس، بل الهدف منها، داعيًا إلى خروج لبنان من “حالة الحرب الدائمة” التي يعيشها منذ عقود. ويرى أن اتفاق الهدنة هو حجر الأساس لاستقرار البلاد، وأن استمرار المواجهات العسكرية يعمّق العجز عن إعادة الإعمار وبناء مستقبل آمن.

 

في المقابل، يرى عضو المجلس السياسي في حركة أمل حسن قبلان أن أي تفاوض يجب أن يستند إلى القرارات الدولية، ولا سيما 1701 و425، مشددًا على أن إسرائيل لم تلتزم بها حتى اليوم، وأن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة خارج هذا الإطار يهدد حقوق لبنان ويضعه أمام تسويات مفروضة بموازين القوة.

 

ويبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت مشاركة ممثلين سياسيين في المفاوضات ستُحدث تحولًا نوعيًا، إذ قد ترفع مستوى النقاش من تقني إلى سياسي وتمنح الاتفاقات طابعًا رسميًا، لكنها في الوقت نفسه قد تثير حساسيات داخلية وتُفهم كخطوة نحو التطبيع.

 

لبنان اليوم أمام مرحلة دقيقة تتراوح بين الانفراج والانفجار. فالمفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، ليست هدفًا بحد ذاتها، بل انعكاس لموازين القوى الداخلية والإقليمية، ولتصوّر الدولة لدورها ومصالحها في محيط متحوّل لا مكان فيه للجمود السياسي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce