لبنان

إسرائيل تفرض شروطاً قاسية لإعمار الجنوب: عودة الجنوبيين إلى قراهم على المحك

إسرائيل تفرض شروطاً قاسية لإعمار الجنوب: عودة الجنوبيين إلى قراهم على المحك

بينما تتكثّف مواقف العدوّ الإسرائيلي الداعية إلى إعادة رسم المشهد الحدودي مع لبنان، تتزايد الضغوط الدولية والعربية لحسم ملفّ سلاح «حزب الله» بوصفه المدخل إلى أيّ استقرار أمني. في المقابل، يعيش أبناء القرى الجنوبية الحدودية على أمل العودة إلى ديارهم بعد عامين من التهجير، غير أنّ المؤشرات الميدانية والسياسية تشي بأنّ العودة لن تكون إلى الجنوب الذي عرفوه قبل الحرب، بل إلى واقع جديد تفرضه شروط إسرائيلية صارمة تتحدّث عن إقامة منطقة عازلة خالية من السكان.

 

وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 أعاد تحريك ملفّ الإعمار، فوافق البنك الدولي في 25 حزيران 2025 على قرض بقيمة 250 مليون دولار لمساعدة لبنان على تنفيذ مشاريع تعافٍ عاجلة تشمل إعادة تدوير الأنقاض وتأهيل الخدمات الأساسية في مجالات المياه والطاقة والنقل والتعليم والصحة. وفي 26 آب وُقّعت اتفاقية القرض على أن يقرّها مجلس النواب في نهاية تشرين الأول، فيما وصف وزير المالية ياسين جابر التمويل بأنه «مبلغ تأسيسي لإنشاء صندوق لإعادة إعمار البنى التحتية في المناطق المتضرّرة، على أمل أن يرتفع إلى مليار دولار».

 

لكنّ التمويل الموعود لا يعني بالضرورة انطلاق عملية الإعمار، إذ تواجه الخطة عراقيل سياسية وأمنية مصدرها تل أبيب وواشنطن، تربط إعادة الإعمار بعدم عودة «حزب الله» إلى المنطقة الحدودية. هذه الشروط تُترجم عملياً في منع السكان من العودة، ما يهدّد بتحويل الجنوب إلى منطقة محظورة. كما أنّ حجم القرض لا يغطي سوى جزء ضئيل من حجم الأضرار التي قدّرها البنك الدولي بـ11 مليار دولار، منها 1.1 مليار تخصّ البنية التحتية وحدها.

 

وتكشف التصريحات الإسرائيلية منذ بداية الحرب عن نية مبيّتة لإقامة «جنوب جديد» مفرغ من سكّانه. ففي تشرين الأول 2024 أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت أنّ «قرى الخط الأول هدف مشروع وسيُدمَّر كلّ ما فيها»، فيما طرح الموفد الأميركي توم برّاك فكرة تحويل المنطقة الحدودية إلى «منطقة اقتصادية» بزعم أن التنمية تعزّز الاستقرار وتُبعدها عن سلاح «حزب الله».

 

وتُضاف إلى هذه المؤشرات زيارة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى الحدود من الجهة الإسرائيلية، حيث اطّلعت على خرائط تحدّد ما تعتبره تل أبيب «إعادة بناء حزب الله لقدراته»، في تأكيد جديد على رفض إسرائيل عودة القرى الحدودية إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

 

في ضوء ذلك، يبدو أنّ عملية الإعمار ستخضع لما يُملى سياسياً وأمنياً، وقد تنحصر في مشاريع اقتصادية لا تشمل إعادة إعمار سكني فعلي، ما يعني أنّ أبناء القرى قد يعودون كعمّال أو مستثمرين لا كسكان دائمين، ضمن منطقة تخضع لمراقبة ولجان دولية شبيهة بآلية مراقبة وقف إطلاق النار. وقد بدأت ملامح هذا الواقع تظهر من خلال سماح إسرائيل الموسمي للمزارعين بقطاف الزيتون ضمن مهَل زمنية محدّدة.

 

وفي الكواليس اللبنانية، يجري تهيئة الأجواء لتقبّل هذا السيناريو عبر الترغيب بالتمويل والمساعدات، أو الترهيب بتمديد التوتّر الأمني والقصف المتقطّع، ما يهدّد بتكريس تهجير دائم للنازحين الجنوبيين. ورغم ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي في بيروت يؤكّد على إعادة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فيما يتمسّك الجنوبيون بحقّهم في العودة إلى قراهم لا إلى مشاريع بديلة تُقصيهم عن أرضهم.

 

ما يُطرح اليوم تحت عنوان «إعمار الجنوب» يبدو أقرب إلى إعادة رسم هوية المنطقة، وفق شروط تعجيزية تسعى إلى تغيير طابعها الديموغرافي والجغرافي، في مشروع يهدف إلى خلق «جنوب بلا سكّانه».

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce