مقالات

“لبنان بين موازين القوى وميزان الحكمة”

“لبنان بين موازين القوى وميزان الحكمة”

 

يعيش لبنان مجدداً في قلب سجالات سياسية وإعلامية تعيد طرح معادلة «ميزان القوى» لتبرير استمرار العدوان الإسرائيلي واحتلال الأراضي اللبنانية، وحرمان الجنوبيين من العودة إلى قراهم وحقولهم. فثمة من يرى في تفوق إسرائيل العسكري مبرراً لاستمرار حربها، بل يذهب البعض إلى حدّ مطالبة الإدارة الأميركية بعدم السماح بانسحاب إسرائيل قبل نزع سلاح حزب الله بالكامل.

 

ورغم أن الأزمة اللبنانية عميقة ومتشابكة، إلا أن دروس التاريخ القريب والبعيد تؤكد أن الانقسام الداخلي يبقى أخطر ما يهدد الكيان اللبناني. فمنذ الحرب الأهلية (1975-1990) إلى الحروب المتتالية مع إسرائيل، كانت الانقسامات الداخلية دوماً مدخلاً للتدخلات الخارجية التي انتهت باتفاقات لم تجلب للبنان سوى أثمان باهظة.

 

في عام 1969، جاء “اتفاق القاهرة” نتيجة اختلال موازين القوى لمصلحة العمل الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية، فكرّس الانقسام الداخلي وجعل لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. ومع اتفاق الطائف لاحقاً، تولّت سوريا إدارة الملف اللبناني بغطاء دولي، فاستثمرت “ميزان القوى” لمصلحتها، في حين أخفق اللبنانيون في الاتفاق على مصلحة وطنية جامعة.

 

اليوم، يعيد المشهد نفسه بتفاصيل مختلفة. فإسرائيل، رغم اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا تزال تحتل وتوسع، وتواصل استهداف المدنيين في الجنوب. وفي الداخل، يضغط بعض الأطراف على الدولة اللبنانية والجيش لتسريع تنفيذ التزامات نزع السلاح، متجاهلين في الوقت ذاته ما أنجزه الجيش في الجنوب من مصادرة مواقع وأسلحة وإغلاق ممرات، ضمن تقارير رسمية قُدّمت للحكومة.

 

يتزامن ذلك مع تصاعد الدعوات الغربية والعربية لدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، رغم تمسك الدولة بمبدأ التفاوض غير المباشر الذي أفضى إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية. ويرى مراقبون أن الإصرار على التفاوض المباشر الآن يعيد إنتاج خطاب قديم يسعى إلى كسر “الميزان الوطني” عبر ضغوط سياسية وطائفية تخدم أجندات خارجية.

 

في المقابل، تعيد الذاكرة إلى عام 1982، حين أدّى تفوق إسرائيل العسكري إلى انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية ضمن تفاهم غير معلن مع تل أبيب. إلا أن الجميل، حين واجه مطلب توقيع اتفاق رسمي، رفض الانفراد بالقرار دون شراكة وطنية، فكانت النتيجة اغتياله واندلاع فصل جديد من النزاع.

 

اليوم، يتجدد السؤال: هل يتعلم اللبنانيون من تجاربهم؟ فالمطلوب، كما يقول مراقبون، ليس موازين القوة المائلة، بل ميزان الحكمة والعقل، «ميزان الجوهرجي» كما يسميه البعض، لضبط المواقف وحماية الوطن. تصريحات الموفدين الأميركيين الأخيرة، من توم براك إلى السفير المرتقب ميشال عيسى، تشدد على أن دعم لبنان مرهون بوحدته الوطنية ومسؤوليته في إدارة شؤونه بعيداً عن الانقسامات.

 

يبقى التحدي الأهم أمام لبنان اليوم هو أن يحفظ وحدته الداخلية، ويواجه العواصف الخارجية بعقلانية وواقعية، لأن لا طريق للنجاة إلا العقل، ولا ميزان يضمن الاستقرار سوى ميزان الحكمة والجوهرجي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce