
عقوبات واشنطن تُربك بغداد وتضع الحشد وإيران في دائرة الاتهام
عقوبات واشنطن تُربك بغداد وتضع الحشد وإيران في دائرة الاتهام
أحدثت العقوبات الأميركية الجديدة على شخصيات وجهات عراقية صدى واسعاً في بغداد، بعدما اعتبرتها أوساط سياسية إحراجاً مباشراً للحكومة العراقية في توقيت بالغ الحساسية. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن حزمة عقوبات استهدفت أفراداً وشركات وسفناً، قالت إنها تورّطت في الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران عبر تهريب النفط والأسلحة واستخدام الأراضي العراقية لهذا الغرض.
ورغم أن العقوبات ليست الأولى من نوعها، فإنها حملت هذه المرة دلالات سياسية لافتة، إذ جاءت بينما يسعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تعزيز علاقته بواشنطن وتلميع صورته داخلياً قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي قد تحدد مستقبله السياسي وفرصه في ولاية ثانية.
البيان الأميركي أشار إلى أن من بين الكيانات المستهدفة “شركة المهندس” التابعة لهيئة الحشد الشعبي، واصفاً إياها بأنها واجهة اقتصادية ضخمة تُستخدم لتقديم دعم مالي وتقني لكتائب حزب الله وفيلق القدس الإيراني. كما شملت العقوبات أسماء بارزة بينها رئيس اللجنة الأولمبية العراقية عقيل مفتن وشقيقه، بتهم تتعلق بتمويل فيلق القدس وغسل الأموال وتهريب النفط والمخدرات، مستغلين مواقعهم الرسمية في عمليات فساد واسعة.
الحكومة العراقية سارعت إلى الرد، معربة عن أسفها لما وصفته بـ”الخطوة غير المتشاور بشأنها”، مؤكدة أن الإجراء “يتنافى مع روح الصداقة والاحترام المتبادل بين البلدين”. وأعلن مكتب رئيس الوزراء تشكيل لجنة عليا لمراجعة القضية ورفع التوصيات خلال شهر، في محاولة لاحتواء التداعيات.
لكن مراقبين يرون أن بيان الخزانة وضع السوداني أمام معادلة صعبة، إذ لم يترك له هامشاً كبيراً للمناورة بين التزاماته تجاه واشنطن وحساسية التعامل مع أطراف تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً في الداخل. فهذه الجهات قادرة، بحسب مراقبين، على تعطيل أي مسار قد يُتخذ ضدها، وربما جرّ البلاد إلى مواجهات تهدد الاستقرار الهشّ.
العقوبات أعادت إلى الواجهة النقاش القديم الجديد حول “ثنائية السلاح والسياسة” التي تطبع المشهد العراقي منذ 2003. فالفصائل المسلحة، التي طالتها العقوبات الأخيرة، ليست مجرد أجنحة عسكرية بل أصبحت ركائز في العملية السياسية، تمتلك تمثيلاً وازناً في السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتستعد للمشاركة في الانتخابات المقبلة من موقع قوة.
ويرى قانونيون أن مشاركة هذه الكيانات تمثل خرقاً للدستور العراقي الذي يحظر على أي كيان مرتبط بالمؤسسة الأمنية خوض الانتخابات. ورغم الدعاوى القضائية المطالبة باستبعادها، لم يُبت في أي منها حتى الآن، ما يكرّس حالة الالتباس بين الدولة ومراكز القوى الموازية لها.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما ستفعله الحكومة إزاء العقوبات، تتزايد القناعة بأن استمرار ازدواجية السلاح والسياسة بات عبئاً على الدولة العراقية في الداخل والخارج، وأن معالجة هذا الخلل أصبحت شرطاً ضرورياً لاستعادة هيبة المؤسسات وتوازن علاقات بغداد مع واشنطن وطهران على حدّ سواء.



