
قمة بودابست المرتقبة بين ترمب وبوتين تُعيد رسم ملامح الحرب في أوكرانيا
قمة بودابست المرتقبة بين ترمب وبوتين تُعيد رسم ملامح الحرب في أوكرانيا
في تحول مفاجئ للموقف الأميركي من الحرب في أوكرانيا، أعلن الرئيس دونالد ترمب تجميد قرار تزويد كييف بصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، عقب مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، استمرت ساعتين فقط، ممهداً الطريق لعقد قمة جديدة في بودابست «بحثاً عن السلام». وجاء هذا التبدّل بعد أيام من تحضيرات داخل البيت الأبيض لفرض حزمة عقوبات اقتصادية جديدة ضد موسكو، في خطوة كانت توصف بأنها تصعيد نوعي في الدعم الأميركي لأوكرانيا.
لكن إعلان ترمب المفاجئ قلب المشهد رأساً على عقب، مع تراجعه عن التصعيد العسكري واختياره ما بات يُعرف في واشنطن بـ«دبلوماسية الإرجاء»؛ أي تأجيل القرارات الحاسمة بانتظار فرص التفاوض. خطوةٌ أثارت انتقادات حادة من معارضيه الذين يرون فيها تنازلاً يمنح الكرملين مساحة إضافية للمناورة الميدانية والدبلوماسية.
مصادر أميركية أكدت أن بوتين استغل الاتصال الأخير لإقناع ترمب بعدم المضي في إرسال الصواريخ، محذراً من أن الخطوة «ستقضي على أي فرصة للتسوية»، ومعتبراً أن الأسلحة بعيدة المدى «لن تغيّر شيئاً في الميدان». وترى أوساط دبلوماسية في واشنطن وبروكسل أن بوتين نجح مجدداً في استعادة زمام المبادرة مع الرئيس الأميركي، بعدما شهدت العلاقات بينهما فتوراً أعقب قمة ألاسكا في أغسطس الماضي.
في المقابل، بدا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي محبطاً عقب لقائه ترمب في البيت الأبيض، إذ ألغى الأخير عملياً خطة تسليح بلاده بصواريخ «توماهوك» التي كانت كييف تراهن عليها لتغيير موازين القوى. وأمام هذا التراجع، لم تجد أوكرانيا سوى القبول بخيار «وقف النار على خطوط التماس الحالية» كمنطلق لمحادثات مقبلة، ما يعني عملياً تكريس سيطرة موسكو على أجزاء واسعة من الشرق والجنوب الأوكراني.
القرار الأميركي أثار قلقاً واسعاً داخل حلف شمال الأطلسي، حيث حذّر دبلوماسيون من أن «السلام عبر الصفقة» قد يصبح العنوان الجديد للسياسة الأميركية، على حساب استراتيجية الردع التي تبناها الحلف منذ بداية الحرب. كما تخشى دول أوروبية، خصوصاً بولندا وليتوانيا، من أن يُفسَّر الموقف الأميركي في موسكو كإشارة ضعف، تشجعها على المضي في الضغط العسكري.
قمة بودابست المقررة برعاية رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، تُعتبر محطة مفصلية في مسار الحرب. فأنصار ترمب يرون فيها فرصة لفرض تسوية توقف القتال وتفتح باب التهدئة، فيما يعتبرها خصومه «فخاً سياسياً» يمنح بوتين وقتاً لإعادة التموضع وتعزيز مكاسبه.
ميدانياً، لا تزال المعارك في حالة جمود مكلف. فالقوات الروسية عاجزة عن تحقيق اختراق حاسم في دونيتسك، فيما تواجه أوكرانيا شتاءً قاسياً تحت ضربات الصواريخ الروسية. وعلى الرغم من الخسائر الاقتصادية التي تتكبّدها موسكو، فإن الكرملين يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه طالما بقي الغرب متردداً في خطواته.
أوروبياً، يسعى الاتحاد لتعويض الفراغ الأميركي بمبادرات تمويل وتسليح، أبرزها مشروع قرض ضخم بقيمة 160 مليار دولار من الأصول الروسية المجمّدة. غير أن العواصم الأوروبية تدرك أن غياب القرار الأميركي سيضعف وحدتها، ويقوّض فعالية أي دعم مستقبلي لأوكرانيا.
ومع اقتراب موعد قمة بودابست، تتراوح السيناريوهات بين تسوية مجمّدة تُكرّس خطوط القتال الحالية، أو تصعيد مؤجّل في حال فشل القمة، وصولاً إلى احتمال ضعيف باتفاق شامل يعيد ترتيب الأمن الأوروبي. وفي انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات، يبقى الثابت أن الحرب التي وعد ترمب بإنهائها قد تتحول إلى اختبار جديد لزعامته، ولقدرة الغرب على الحفاظ على تماسك جبهته في مواجهة روسيا.



