
انتفاضة 17 تشرين… من لحظة الشارع إلى استعادة المعنى السياسي
انتفاضة 17 تشرين… من لحظة الشارع إلى استعادة المعنى السياسي
بعد ست سنوات على انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، ما زالت القراءات حولها تتأرجح بين من يعتبرها مشروعاً سياسياً فشل في تحقيق أهدافه، ومن يراها حالة تأسيسية غيّرت المعنى التقليدي للسياسة في لبنان. فـ17 تشرين لم تكن مشروعاً منظّماً بقدر ما كانت لحظة ظهور جماعي في الفضاء العام، اكتشف فيها الناس أنفسهم كمواطنين وأصحاب للمكان، قبل أن تكون حركة مطالبة بالإصلاح أو التغيير السياسي.
كانت الشوارع والساحات في تلك الأيام مساحة استعادةٍ لـ”العام” وللمواطنة بمعناها الأصيل، أي الانتماء إلى المكان والناس، لا إلى الشعارات أو الزعامات. فالسياسة في جوهرها – كما أظهرت تلك التجربة – هي القدرة على الاجتماع والفعل المشترك، قبل أن تتحول إلى مؤسسات وقوانين.
في بلدٍ تحكمه منظومتان متوازيتان، رسمية تمثّل الدولة، وغير رسمية تستمد قوتها من الزبائنية والعلاقات الشخصية، جاءت لحظة 17 تشرين كفعل مقاومة لهذه المعادلة. فالناس الذين خرجوا إلى الشوارع لم يرفعوا شعارات حزبية أو فئوية، بل حاولوا كسر إرثٍ طويل من العزلة والخوف والخصخصة الاجتماعية التي حوّلت الفضاء العام إلى ملك للسلطة لا للمجتمع.
بهذه الروح، تحوّلت المشاعر الجماعية إلى البذرة الأولى لسياسة جديدة، قوامها المشاركة وكسر العزلة والانخراط في الشأن العام. ومع فعالية “خبز وملح” التي جمعت الناس في الساحات أواخر تشرين الثاني 2019، عبّر المشاركون عن فكرة بسيطة وعميقة في آن: أن الساحات بيوت الجميع، وأن بناء الوطن يبدأ من حماية “العام” وإعادة تعريف ملكيته المشتركة.
لكن هذه الحالة بدأت تفقد حرارتها عندما جرى تحويلها إلى مشاريع سياسية وأوراق تنظيمية. فحين تصبح السياسة مؤطّرة ومُجدولة، تفقد زخمها الذي وُلد من spontaneity الشارع. فبدلاً من أن يقود “زمن الفرصة” العمل السياسي، سيطر عليه “زمن الأجندة” والمكاتب، فتراجع الخيال لصالح التقارير والخطط.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن 17 تشرين أسست لوعيٍ جديد جعل المشاركة السياسية ممكنة لعامة الناس، وحوّل الحلم إلى ممارسة يومية. غير أن التحدي الأكبر بقي في الانتقال من التعددية الصحية إلى التشرذم، بعدما تقدمت الشعارات والأجندات على القاعدة الاجتماعية. فالتعددية تصنع غنىً في الفضاء العام، أما التشرذم فيعيد إنتاج الموروث الذي خرجت الانتفاضة ضده: تضخيم الأنا، والاحتماء بالخصوصيات، والخوف من الذوبان في الجماعة.
رغم ذلك، فإن كثرة الحديث عن فشل التنظيمات التي خرجت من رحم الانتفاضة لا تعني موت الفكرة، بل تؤكد أن الوعي ما زال يميّز بين الحالة الأصلية والنتائج الجانبية التي نشأت عنها. فـ17 تشرين لم تكن حزباً أو مشروعاً انتخابياً، بل كانت يقظة مدنية مستمرة يمكن إحياؤها بأشكال مختلفة.
وإذا استطاع الناس، في كل بلدة وحيّ، إعادة خلق مساحات مشتركة للحوار والعمل من أجل الصالح العام، فإن روح 17 تشرين ستعود إلى الحياة تدريجياً، لا كحدث ماضٍ، بل كطريقة دائمة في الفهم والممارسة السياسية. فالوطن، كما أظهرت التجربة، يسبق الدولة ويمنحها معناها.



