
بعد الاتفاق الأميركي… غزّة إلى أين؟
بعد الاتفاق الأميركي… غزّة إلى أين؟
كتب جو رحال في لبنان الكبير
بعد عامين على السابع من تشرين الأول 2023، تعود غزّة إلى الواجهة ليس فقط كعنوانٍ للدمار والمأساة، بل كميدانٍ لاختبارٍ سياسي جديد يُعرف اليوم بـ «الاتفاق الأميركي»، الذي تسعى واشنطن من خلاله إلى إنهاء الحرب الأطول والأعنف في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. فبعد كل ما حدث من قتلٍ ونزوحٍ ودمار، تتجه الأنظار إلى مرحلة ما بعد الاتفاق: هل سيكون بداية الخلاص أم مجرّد هدنةٍ مؤقّتة على أنقاض مدينةٍ أنهكها الحصار؟
على الأرض، تُظهر الأرقام الموثوقة فداحة الكارثة: أكثر من 67 ألف فلسطيني قُتلوا، و167 ألف جريح، ونحو 1.9 مليون نازح يعيشون في ظروفٍ غير إنسانية. الدمار طال أكثر من 190 ألف مبنى، والبنية التحتية الصحية والتربوية انهارت؛ لم يبقَ سوى 14 مستشفى تعمل جزئيًا، فيما دُمّر أكثر من ثلثي المدارس. ومع كل هذا الخراب، يأتي الاتفاق الأميركي كمحاولة لإنقاذ ما تبقّى من غزّة، وفتح ممرّ إلى مستقبلٍ ما زال ضبابيًّا.
الاتفاق، وفق المسودّات التي ناقشتها الأطراف في شرم الشيخ، يقوم على وقف إطلاق نار تدريجي، وتبادل رهائن وأسرى، وانسحاب مرحلي للقوات الإسرائيلية من مناطق محدّدة في القطاع، إلى جانب فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية، تمهيدًا لبدء مرحلة إعادة الإعمار بإشرافٍ دولي. وأعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أنّ إسرائيل وافقت على “خط انسحاب أولي”، وأنّ التنفيذ الفوري للهدنة سيكون مشروطًا بموافقة حماس النهائية، في حين أكّد الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي استعدادهما لتغطية تمويل أولي لإعادة الخدمات الأساسية.لكنّ ما بعد الاتفاق هو الاختبار الحقيقي. ففي المرحلة الأولى، ستبدأ عمليات وقف النار وتبادل الأسرى، يليها دخول المساعدات وإزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس. بعدها، ستنتقل غزّة إلى مرحلة أكثر حساسية: تحديد الجهة التي ستدير القطاع. هنا يطرح الأميركيون صيغة “إدارة مدنية انتقالية” بإشراف دولي وبمشاركة فلسطينية محدودة، فيما تصرّ القاهرة والدوحة على أن تكون السلطة الفلسطينية جزءًا من أي هيكل حاكم لتجنّب فراغٍ إداريّ يعيد الفوضى.
اقتصاديًا، سيكون التحدّي الأبرز في تأمين التمويل الكافي. البنك الدولي يقدّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 53 مليار دولار على مدى عقدٍ كامل، منها 20 مليار دولار عاجلة لإعادة الخدمات. وتشير خطط الأمم المتحدة إلى أنّ 90% من سكان القطاع سيحتاجون إلى مساعدات غذائية وطبية لعامٍ إضافي على الأقل. ومع ذلك، فإن أي خطة إعمار لن تنجح من دون استقرارٍ أمني وضمانات بعدم استئناف الحرب، وهو ما تخشى منه كل الأطراف.
سياسيًا، يشكّل الاتفاق الأميركي فرصةً لإعادة تفعيل المسار الدبلوماسي المجمّد منذ سنوات، وربما إحياء فكرة حلّ الدولتين التي دُفنت تحت ركام الصواريخ. إلا أن هذا السيناريو يبقى هشًّا أمام الانقسامات الفلسطينية الداخلية، ورفض بعض الفصائل لأي تسوية تُبقي السيطرة الإسرائيلية على الحدود والمعابر. كما أن استمرار الضغوط الأميركية على حماس، واشتراط واشنطن “إصلاح السلطة الفلسطينية” قبل منحها دورًا فعليًا في غزة، يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.
على المستوى الإقليمي، ستستثمر القاهرة والدوحة وعمّان في ضمان تنفيذ الاتفاق كوسيطات أساسيات، إذ إنّ أي انهيار جديد سيُهدّد أمن سيناء والحدود المصرية مباشرة. بينما تسعى واشنطن، وفق مصادر رويترز والغارديان، إلى تحويل الاتفاق إلى نقطة انطلاق نحو مؤتمر سلامٍ إقليمي يتناول ترتيبات ما بعد غزة ويعيد بناء الثقة بين إسرائيل والعالم العربي، في ظل تنامي عزلة تل أبيب دوليًا.
ورغم الأمل الذي يحمله الاتفاق، فإنّ التحديات كثيرة: إمكانية خرق الهدنة، بطء التمويل، تسييس المساعدات، ومحاولات بعض الأطراف إعادة إشعال الجبهة. لذا يرى المراقبون أنّ الاتفاق الأميركي ليس نهاية الحرب، بل بدايتها السياسية – فإما أن يتحوّل إلى جسرٍ نحو سلامٍ طويل الأمد، وإمّا إلى هدنةٍ ميتة تسبق جولة جديدة من العنف.
اليوم، يقف الفلسطينيون على حافة مفترقٍ جديد. غزّة التي فقدت أبناءها وبيوتها وبنيتها التحتية، لم تفقد إرادتها. وبين الدمار والوعود، يبحث الناس عن حياةٍ طبيعية، عن ماءٍ صالحٍ للشرب، عن مدرسةٍ تفتح أبوابها، وعن طفلٍ يضحك بلا خوفٍ من الطائرات. فهل يكون هذا الاتفاق بداية العودة إلى الحياة؟ أم مجرّد فصلٍ جديد في حكايةٍ لم تنتهِ بعد؟



