
من حيّ سكني إلى معلم رمزي: موقع اغتيال نصرالله يروي ذاكرة الضاحية
من حيّ سكني إلى معلم رمزي: موقع اغتيال نصرالله يروي ذاكرة الضاحية
على الطريق المؤدي إلى موقع اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ترتسم الجدران كصفحات دامية من ذاكرة حيّ لم يعد كما كان. العبارات والشعارات المرسومة باللون الأحمر، وصور السيد المنتشرة على الأبنية والأعمدة وصناديق الكهرباء، تجعل المشهد أقرب إلى مسرح رمزي تتكرّس فيه صورة واحدة وذاكرة واحدة. الأعلام ترفرف إلى جانب شعارات تحاكي مسيرة الرجل، بينما الحفرة التي خلّفها الانفجار ما زالت شاخصة كعلامة فاصلة بين زمنين.
مع اقتراب الذكرى السنوية، بدأت التحضيرات لإقامة مجالس عزاء ونُصُب تذكارية، بعدما كان المكان مقصدًا للزوار عقب وقف إطلاق النار، قبل أن يخفت الحضور تدريجيًا لصالح الضريح. ومع ذلك، عاد بعض الزوار في الأيام الأخيرة لإحياء رمزية الموقع.
الحيّ الذي كان يُعرف بترتيبه ونظافته وإنارته، بات يحمل آثار الخراب. المحال ما زالت مغلقة، والبنية التحتية لم تُرمّم بالكامل. بعض السكان غادروا إلى أماكن أخرى، فيما بقي قلة تحاول التعايش مع واقع جديد. علي، الذي يقطن منذ 37 عامًا قرب مكان الاستهداف، يروي بمرارة أنه لم يعد يحتمل العيش وسط الغبار والقلق، فيما يرى حسين أن الحي فقد قيمته كمنطقة سكنية وتحول إلى أرض لذكرى سياسية – دينية.
ذكريات السكان تنقل الحي من “جنة” كما تصفه النساء الكبيرات اللواتي يسترجعن أيامه الماضية، إلى “تربة” أثقلها الحزن، فيما يرى آخرون أنه صار أرضًا طاهرة لأن “أشرف الناس عاش عليها”.
الاستهداف غيّر ليس فقط صورة المكان، بل أيضًا علاقته بأهله. بعض الشهود يروون لحظة الانفجار التي قلبت حياتهم رأسًا على عقب، فيما يتساءلون بدهشة عن كيفية معرفة إسرائيل بوجود نصرالله في الحي، بينما هم أنفسهم لم يعرفوا.
ومع مرور الذكرى، ما زال البعض يرفض تقبّل خبر استشهاده، متمسكًا بالاعتقاد أن السيد ما زال حاضرًا ويدير المشهد من خلف الستار. أما آخرون فيرون أن غيابه غيّر موازين الطائفة والسياسة، وأن مسيرته تستمر برمزية كربلائية يستلهمون منها الاستمرار.
الضاحية الجنوبية تحمل اليوم ندوب الاغتيال، فيما يظل الموقع شاهدًا على تحوّل حيّ من فضاء سكني مزدهر إلى رمز سياسي – ديني، تُختصر فيه الذاكرة الجماعية بجملة واحدة: “كان بيننا ونحن لا نعلم”.



