
الشرع في نيويورك.. بين وهم “التاريخي” وامتحان الواقع
الشرع في نيويورك.. بين وهم “التاريخي” وامتحان الواقع
حملت زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، زخماً إعلامياً واسعاً ترافق مع وصف متكرر بـ”التاريخي”. الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالغوا في استخدام المصطلح، إلى حدّ جعل الزيارة والخطاب والمصافحات مادةً لـ”التريند”، مع ميلٍ إلى صناعة صورة بطلٍ يعود إلى الساحة الدولية بعد عزلة طويلة.
الشرع نفسه عزف على الوتر ذاته حين استهل كلمته بالحديث عن دمشق بوصفها “عاصمة التاريخ ومهد الحضارات”. غير أنّ التركيز على “التاريخي” أعاد إلى الأذهان خطاباً بعثياً قديماً، عوّض العجز الواقعي باللجوء إلى المجازات الكبرى. السوريون الذين رددوا الوصف لم ينتبهوا إلى أنهم يكررون لازمة مألوفة عاشت عليها السلطة عقوداً، حيث امتلأت الخطب بـ”المنعطفات التاريخية” من دون أن ينعكس ذلك على حياة الناس.
الزيارة بدت مهمة للبعض لكونها الأولى لرئيس سوري منذ عهد نور الدين الأتاسي بعد حرب 1967، ما أوحى خطأً بأن حافظ الأسد ووريثه كانا ممنوعين من المنبر الدولي. بينما الحقيقة أن الأسد الأب اختار الانعزال وتحالف مع المعسكر الشرقي، أما الابن فكان قادراً على نيل الترحيب الدولي في بدايات حكمه لو أراد، قبل أن ينحدر الوضع إلى القطيعة.
التحدي اليوم لا يكمن في العودة الشكليّة إلى الأمم المتحدة، بل في قدرة سوريا على الاندماج الفعلي في العالم. هذا الاندماج يستوجب خطاباً جديداً بلغة العصر: حوار وطني جامع بمعناه العالمي، حكومة كفاءات فعلية لا محسوبة على الفصائل، وانتخابات حقيقية لا شكلية. وإلا ستبقى الفجوة بين الداخل والخارج، وبين الكلام والواقع، تتسع كما كانت في العقود الماضية.
الإصرار على الشعارات التاريخية من دون نتائج ملموسة يعني إعادة إنتاج المأزق ذاته. فالمجازر التي أُعلنت لجان للتحقيق فيها لم تجد طريقها إلى المحاسبة، والدمار الذي لحق بسوريا هو نتاج عقلية حكم عاشت على التمجيد أكثر من الفعل. إذا كان السوريون يطمحون لصناعة تاريخ جديد، فإن البداية تكون بالتواضع أمام حجم الكارثة، والانخراط في عمل واقعي بعيد عن الأوهام. فالتاريخ لا يُصنع بالخطابات، بل بالقدرة على بناء المستقبل.



