متفرقات

استراتيجية الدفاع أم التأجيل؟ لبنان أمام اختبار سيادته

استراتيجية الدفاع أم التأجيل؟ لبنان أمام اختبار سيادته

مع اقتراب موعد جلسة الخامس من أيلول، يدخل ملف سلاح “حزب الله” منعطفًا حساسًا تتقاطع فيه الاعتبارات المحلية مع الضغوط الإقليمية، والميدانية مع الدستورية. حددت الحكومة موعدًا لاستعراض الخطة التطبيقية التي أعدها الجيش لحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام، فيما تكرر رئاسة الجمهورية وقيادة المؤسسة العسكرية عبارة واحدة: “لا عودة إلى الوراء”. وفي المقابل، رسم رئيس مجلس النواب نبيه بري خطوطًا حمراء ضد أي فرض بالقوة، داعيًا إلى اعتماد استراتيجية دفاعية هادئة تتوافق مع مضمون اعتراض حزب الله على الخطّة الحالية.

 

الجلسة المقبلة ليست مجرد مواجهة كلامية، بل اختبار لقدرة الدولة على فرض أولوياتها أو على الأقل إدارة خلافاتها من دون انفجار حكومي. يثير موقف برّي جدلاً، حيث يرى خصومه أنه يحاول إعادة النقاش إلى نقطة الصفر، بينما تعتبر القوات اللبنانية كلامه نسخة عن خطاب حزب الله يهدف لتعطيل مسار نزع السلاح، مؤكدين أن القرار الحكومي قد صدر وأن مرحلة التنفيذ بدأت بالفعل. في المقابل، يشدد بري وأنصاره على ضرورة استراتيجية دفاعية تحدد الردع وأدوار المؤسسات ومراحل الضبط، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجية شرطًا للتنفيذ أم نتيجة له.

 

يلعب رئيس الجمهورية دورًا محوريًا في ضبط الإيقاع، عبر تثبيت قرار حصرية السلاح وإدارة نقاش يحفظ وحدة الحكومة، فيما يحمل قائد الجيش خطة مرحلية بلا توقيت حاسم، تاركًا هامشًا للوزراء لمزيد من التدقيق، بينما يدفع نوّاف سلام نحو قرار فوري أو مسار يمنع ضياع الملف في مهل مفتوحة. أما القوات اللبنانية، فتتمسك بعدم التراجع عن قرار نزع السلاح غير الشرعي، مؤكدة أن الجيش هو الجهة التي تقدر ميدانيًا كيفية تطبيق القرار، وأن بيان قيادة الأركان أوضح موقف المؤسسة العسكرية في حماية الوطن وتنفيذ ما يُطلب منها.

في الخامس من أيلول، تتأرجح الجلسة بين عدة مسارات محتملة: إقرار مشروط يثبت المبدأ ويترك التفاصيل للجيش مع تقارير دورية، عرض هيكلية الخطة للنقاش وتأجيل القرارات لدراسة الملاحظات، انسحاب تكتيكي لوزراء الثنائي عند التصويت بما يؤدي إلى قرارات منقوصة الميثاقية، أو تعطيل النصاب وتحويل الخلاف إلى أزمة نظامية مع انعكاسات مالية وإدارية في بلد هش. مع ذلك، يستبعد المصدر القواتي حدوث حرب أو شقاق أهلي، مؤكدًا أن إسرائيل غير مستعجلة وأن خطر حزب الله ما يزال قائمًا لكنها تتحكم في الواقع بعد اتفاق 27-20، فيما الدولة اتخذت قرارها وبدأ مسار التنفيذ.

يبقى ضبط الخط الفاصل بين التنفيذ الأمني والسياسي أمرًا حيويًا، حيث أي خطوة ميدانية غير مضبوطة بإجماع سياسي قد تتحول سريعًا إلى احتكاكات خارج سيطرة الحكومة والجيش. لذلك، تتطلب هندسة التنفيذ جمعًا تدريجيًا، وضبطًا للمرافق الحدودية والمرافئ، ومسارات تسليم وتسجيل واضحة، وقواعد اشتباك محددة مع أي خرق، مع غطاء سياسي يمنع تصوير الجيش كطرف في نزاع أهلي.

يتقاطع الانقسام الداخلي مع الضغوط الخارجية، فإسرائيل تراقب وتستثمر، والولايات المتحدة تضغط لتثبيت مسار حصرية السلاح مع ربطه بترتيبات حدودية وأمنية، في حين يبقى الإقليم في حالة سيولة. وبالتالي، سيكون الخامس من أيلول خطوة إلى الأمام ولو ببطء، أما إذا تحول إلى مناسبة لتعليق التنفيذ تحت عنوان الحوار، فسيؤدي ذلك إلى هدنة مؤقتة ينتج عنها واقع جديد: دولة تدير التعطيل وتؤجله، دون قدرة على فرض حصرية السلاح بشكل كامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce