
إسلام آباد بين نار الحرب على إيران وانفجار المأزق البلوشي
إسلام آباد بين نار الحرب على إيران وانفجار المأزق البلوشي
شفيق طاهر -المدن
تتحرك إسلام آباد على حافة توازن بالغ الهشاشة، وهي تراقب الحرب على إيران. فبالنسبة إلى باكستان، لا تنحصر تداعيات هذه الحرب في الاصطفافات السياسية أو الحسابات الدبلوماسية الدولية، بل تمتد مباشرة إلى الداخل الباكستاني، وتحديداً إلى إقليم بلوشستان، حيث تتقاطع الجغرافيا الملتهبة مع تاريخ من التمرد المسلح والحدود الرخوة والتنافس الإقليمي.
في العلن، تبدو باكستان كأنها تحاول استثمار موقعها الجيوسياسي لتقديم نفسها وسيطاً بين واشنطن وطهران، مستفيدة من احتفاظها بقنوات اتصال مع الطرفين، ومن قدرتها على مخاطبة العواصم الخليجية في الوقت نفسه. لكن خلف هذا المشهد، تتصاعد مخاوف المؤسسة الأمنية الباكستانية من أن تتحول الحرب على إيران إلى لحظة انفلات جديدة في إقليم بلوشستان، الإقليم الذي لم يغادر يوماً دائرة التوتر والانفجار.
وساطة سياسية فوق أرض رخوة
تحاول إسلام آباد أن تظهر بوصفها طرفاً قادراً على أداء دور سياسي يتجاوز حدودها، مستفيدة من علاقتها المعقدة، ولكن المستمرة، مع واشنطن، ومن الجوار الإجباري مع إيران، ومن شراكاتها الوثيقة مع السعودية ودول الخليج. هذا التموضع يمنحها هامش حركة، ويعيد وضعها في قلب التفاعلات الإقليمية بعد سنوات من الانكفاء النسبي.
غير أنَّ هذا الدور لا يخلو من المجازفة. فكلما اقتربت باكستان من خطوط التماس السياسية للحرب، ازدادت حاجتها إلى إدارة تناقضات يصعب التوفيق بينها. فهي لا تريد خسارة إيران، الجار الذي قد يؤدي اضطرابه إلى فوضى حدودية وربما داخلية باكستانية هائلة، ولا تستطيع في الوقت نفسه تجاهل حساباتها مع الخليج والولايات المتحدة. وبين هذا وذاك، تبدو الوساطة أقرب إلى محاولة لاحتواء الخطر الداخلي، لا إلى جهود دبلوماسية.
بلوشستان… الخاصرة التي تنزف
المعضلة الحقيقية بالنسبة إلى باكستان تبدأ في بلوشستان تحديداً. فهذا الإقليم الواقع على تماس مباشر مع إيران وأفغانستان يشكل منذ عقود ساحة مفتوحة للتمرد والانقسامات والتوترات الأمنية. ودائماً ما يعود اسم بلوشستان إلى الواجهة بوصفه الحلقة الأضعف في بنية الدولة الباكستانية، خصوصاً وان إقليم بلوشستان الباكستاني أكبر أقاليم باكستان مساحة، إذ يشكل حوالي 44% من إجمالي مساحة باكستان.
الخوف في إسلام آباد لا يتعلق فقط بإمكان تسلل مسلحين بلوش أو انتقال السلاح عبر الحدود، بل بإعادة تنشيط بيئة كاملة من الاضطراب. فالحرب على إيران قد تدفع الجماعات المسلحة، سواء الانفصالية البلوشية أو التنظيمات المتشددة العابرة للحدود، إلى استغلال انشغال طهران أو ارتباك المجال الحدودي من أجل توسيع نشاطها داخل باكستان في محاولة للانفصال الإقليم عن باكستان وانشاء دولة بلوشستان. وهنا لا يعود الأمر مجرد تهديد أمني طارئ، بل احتمالاً واقعياً لعودة التصعيد في إقليم بلوشستان الساخن أصلاً.
كما أن الدولة الباكستانية تدرك أن المقاربة العسكرية وحدها لم تنجح يوماً في حسم ملف بلوشستان، فالإقليم لا يعيش أزمة أمنية فقط، بل يحمل إرثاً طويلاً من التهميش السياسي والاقتصادي، ومن الصراع على الهوية والموارد والتمثيل والمطالبة بالاستقلال. لذلك، فإن أي تطور إقليمي كبير يعيد فتح هذا الملف من جذوره.
بين حدود إيران وحسابات الخليج
باكستان إذن، تتحرك من الحاجة الدائمة إلى منع التوتر مع إيران من الانفجار. وهذا يعني أن الحرب الجارية تضعها أمام معادلة شبه مستحيلة، كيف تحافظ على التوازن السياسي في الخارج، من دون أن تدفع كلفته أمنياً في الداخل؟
في هذا السياق، لا يبدو ضعف إيران أو انشغالها بالحرب خبراً مريحاً لإسلام آباد، بل ربما العكس تماماً. فاستقرار إيران، من المنظور الباكستاني، ليس تفصيلاً سياسياً، بل مصلحة أمنية مباشرة. وأي اختلال كبير في سيطرة طهران على مناطقها الحدودية قد ينعكس سريعاً على الجانب الباكستاني، ويفتح المجال أمام تسلل الفوضى إلى بلوشستان، حيث لا تحتاج النار إلى كثير من الوقود لكي تشتعل.
في المحصلة، تبدو باكستان أمام مفارقة قاسية. فهي تسعى إلى لعب دور سياسي أكبر في لحظة حرب إقليمية، لكنها تدرك أن هذا الدور نفسه قد يضاعف هشاشة جبهتها الداخلية. وهنا يكمن جوهر المأزق، فالمشكلة ليست فقط في الحرب على إيران، بل في قدرة إسلام آباد على منع بلوشستان من التحول إلى الساحة التي تدفع ثمن الاستقرار الباكستاني الداخلي أولاً.



