مقالات

بكين وموسكو والأيام الحاسمة للحرب: مبادرة خليجية من الدوحة؟

بكين وموسكو والأيام الحاسمة للحرب: مبادرة خليجية من الدوحة؟

منير الربيع -المدن

أيام قبل انقضاء المهلة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للوصول إلى اتفاق مع إيران أو ضرب منشآت الطاقة فيها. دول العالم تسرّع من وتيرة تحركاتها ولقاءاتها في سبيل تجنّب المزيد من التصعيد الذي قد يؤدي إلى اشتعال المنطقة، إذ إن طهران هددت بضرب منشآت الطاقة في دول الخليج. تستكمل الولايات المتحدة تحشيداتها العسكرية، تستقدم المزيد من الجنود ومن الأسلحة والتقنيات، ومن بينها تلك المتخصصة بالتشويش على الاتصالات التي تستخدم في حالة شنّ هجوم بري. لكنها في المقابل أيضاً تواصل مواكبة مسار المفاوضات والمبادرات التي أقدمت عليها أكثر من دولة، وآخرها الصين التي اقترحت مع باكستان مبادرة من 5 نقاط، كانت قد طرحت في الاجتماع الرباعي الذي ضم إلى باكستان، تركيا السعودية ومصر، على أن يستكمل ذلك في القمة الصينية الخليجية التي ستعقد الأربعاء.

 

 

 

اجتماع خليجي

 

خليجياً، تتسارع الحركة أيضاً كما هو الحال بالنسبة إلى التحركات الدولية. هنا برزت الحركة المكوكية التي قام بها أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى السعودية وبعدها إلى دولة الإمارات، في مسعىً قطري واضح للعمل على خفض التصعيد ووقف الحرب في المنطقة، والبحث عن حلول سلمية. قبل اجتماع باكستان الرباعي، أيضاً تحركت قطر على خط إسلام أباد من خلال الاتصال الذي جرى بين رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ووزير الخارجية الباكستاني محمد اسحاق دار. تتحرك قطر على خط السعي للوصول إلى معادلة وقف أي اعتداءات إيرانية على دول الخليج، إضافة إلى السعي لعقد اجتماع خليجي على مستوى الزعماء، وتحقيق تقارب سعودي إماراتي وتوحيد الموقف والصف، وتجاوز الخلافات، إضافة إلى حفظ دور دول الخليج كفاعل أساسي إلى جانب مصر للبحث عن صيغة لوقف الحرب بشكل نهائي، خصوصاً أن دول الخليج تريد أن تكون شريكاً في أي اتفاق سيحصل. هنا لا بد من النظر إلى الدوحة مجدداً، وحركة الموفدين إليها أو الزيارات التي سيجريها مسؤولون قطريون في إطار تجديد دور الوساطة لوقف الحرب، كما أنه يمكن أن تتبلور كل هذه التحركات إلى تقديم مبادرة خليجية مشتركة تخرج من الدوحة.

 

 

 

بكين وواشنطن

 

بعد تحرك إسلام أباد باتجاه بكين، يأتي الاجتماع الصيني الخليجي، الذي لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية بعيدة عنه، وسط معلومات تتحدث عن اتصالات صينية أميركية حول وقف الحرب، مع إيجاد صيغة حلّ لفتح مضيق هرمز عبر اعتماد آلية دولية توفر أمن الملاحة فيه، ورسم ملامح اتفاق شامل، يقضي بأن لا تسعى إيران للحصول على سلاح نووي، وتتم معالجة ملف التخصيب والصواريخ، مع تقديم ضمانات للجميع بعدم تجدد الحرب وعدم حصول أي اعتداء. في كل هذه اللقاءات يتم السعي الحثيث لعقد اجتماع يضم موفدين أميركيين وإيرانيين، ودولاً إقليمية وخليجية.

 

 

 

تطويق الصين

 

الدور الذي تلعبه الصين في هذه المرحلة له أكثر من هدف، أولاً لا تريد سقوط النظام الإيراني، ولا دخول إيران في حالة فوضى، لأن ذلك سيعني انتصاراً أميركياً إسرائيلياً كاملاً على حدودها، ولأن الولايات المتحدة ستصبح هي الطرف الممسك بكل منابع وأنابيب النفط الإيراني الذي ستستورده الصين. كما أن بكين تريد استعادة دور راكمت عليه منذ سنوات وترجمته في اتفاق بكين في العام 2023 بين إيران والسعودية، وتسعى إلى توسيع ذلك ليشمل كل دول الخليج، وهذا ما يعني إعادة حضورها في الخليج العربي وعلى مستوى المنطقة.

 

 

 

يعيدنا ذلك إلى العام 2023 أيضاً، عندما بدا أن الصين تحقق تقدماً على مسار خطتها للحزام والطريق، وهي التي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى تعطيلها، خصوصاً بعد أحداث 7 أكتوبر، وهو ما استكمله ترامب بعد انتخابه ومن خلال السياسة التي يعتمدها حول مواجهة الصين في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط أيضاً، وحتى الوصول إلى تطويق الصين من خلال العلاقات والتحالفات التي تبرمها الولايات المتحدة مع دول عديدة في شرق آسيا. يعني ذلك أن الحرب على إيران ستأخذ بشكل أو بآخر بعداً من الصراع أو التنافس الصيني الأميركي على المستوى العالمي.

 

 

 

روسيا وأوكرانيا

 

التحرك الصيني لا بد أن يكون منسقاً مع روسيا التي لديها اتصالاتها مع الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، وكانت قد تقدّمت بمقترحات كثيرة لتجنب الحرب ولتكون هي الجهة الضامنة لليورانيوم الإيراني العالي التخصيب. في المقابل، كان التحرك الأوكراني اللافت باتجاه دول الخليج، في ظل التوتر الأميركي الأوروبي، إذ زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي السعودية، قطر والإمارات والكويت، وبحث مع هذه الدول في تعزيز التعاون العسكري، ولا سيما في مجال الحصول على مسيرات أوكرانية ذات تكلفة زهيدة لكنها فعالة في التصدي للمسيرات الإيرانية.

 

 

 

المؤكد أنه ليس من مصلحة المنطقة ولا دول الخليج خصوصاً إطالة هذه الحرب ولا اتساعها، في ظل مساعٍ دولية كثيرة لدفع دول الخليج إلى الانخراط في الحرب، وفي ظل رفض الدول الأوروبية الدخول إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية. في المقابل، تسعى دول الخليج إلى تجنب الحرب وعدم الانخراط فيها، بينما هناك تصورات عديدة يتم تقديمها في إطار تحفيز هذه الدول على الانخراط في الحرب على قاعدة الاستفادة من الحرب الأميركية الحالية على إيران، وأنها فرصة مؤاتية للانخراط إلى جانب الولايات المتحدة وإسقاط النظام الإيراني، إضافة إلى خوض حرب ضد حلفاء إيران في المنطقة ككل، ولا سيما في سوريا والعراق ولبنان أيضاً.

 

 

 

تحالف مكافحة الإرهاب

بعض من يتحدثون بهذه الصيغة، يستندون إلى فكرة تفعيل “تحالف مكافحة الإرهاب”. وبما أن الولايات المتحدة تصنّف الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً، يمكن لدول أخرى أن تحذو حذوها وتصنفه أيضاً، فتكون الحرب ضد الحرس الثوري، وكذلك ضد كل حلفاء إيران الذين تم تصنيفهم على لوائح الإرهاب، مثل حزب الله، وبعض فصائل الحشد الشعبي والحوثيين. من يتحمس لهذه الفكرة يعتبر أن الفرصة متاحة لذلك الآن، ويستند أيضاً إلى ما أعلنته دول خليجية مثل الكويت، البحرين والإمارات، عن إلقاء القبض على شبكات مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني لجمع الأموال لتمويل مشاريع عسكرية أو كشف مخططات لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية وعمليات اغتيال ضد مسؤولين في هذه الدول، وأن يكون ذلك عنصراً متمماً لعناصر الانخراط في القتال يُضاف إلى مسألة الرد على الضربات التي توجهها إيران إلى دول الخليج.

 

 

 

حرب استنزاف

 

في هذا السياق، يبرز التحرك السياسي الخليجي والعربي، لتجنب مثل هذه الخيارات لأنها ستدخل المنطقة في حرب استنزاف طويلة إيرانية عربية، وعربية عربية أيضاً، بينما من الأفضل البحث عن حلول سلمية مع ضمانات واضحة على مستويات الأمن، الممرات، الطاقة والاقتصاد. إنها أيام مفصلية تقف فيها المنطقة على شفير انفجار كبير، ما لم تنجح كل الدول الساعية إلى وقف الحرب في تقديم طروحات تُقبل من غالبية القوى والأطراف.

 

 

 

نتنياهو والتوريط في الحرب

 

عملياً، يقيم ترامب اليوم بين ضغطين: الضغط الديبلوماسي الدولي لوقف الحرب، والضغط الإسرائيلي الذي يواصله نتنياهو لمواصلة الحرب. لا أحد يمكنه التنبؤ بما سيقرره ترامب أو يقدم عليه، لكن لا يمكن إغفال عناصر التأثير الإسرائيلي، خصوصاً في ظل كلام نتنياهو عن استكمال المهمة، أو كلام وزير الدفاع الأميركي عن التفاوض مع إيران بالقنابل، أو كلام نتنياهو عن “تحالفات جديدة” ستكشفها الأيام المقبلة. فما يريده نتنياهو هو دفع دول عربية إلى الحرب ضد إيران وحلفائها في المنطقة، على قاعدة أن فشل المفاوضات وإصرار ترامب على الحسم العسكري وأنها ستكون معركة حتى النهاية، سيدفع حكماً هذه الدول إلى الانخراط في الحرب، وهو ما ستعتبره إسرائيل فاتحة جديدة لتنسيق أمني وعسكري مع تلك الدول، مع ما سيعنيه ذلك من تبعات مستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce