مخيم الكرنتينا… غطاء لإطباق القبضة على بيروت!
مخيم الكرنتينا… غطاء لإطباق القبضة على بيروت!
كتب نخلة عضيمي في “نداء الوطن”:
بعد 20 يومًا من إدخال عصابة “حزب الله” لبنان واللبنانيين في حرب مفتوحة، وفي ظل تقدم إسرائيلي بمساحة تزيد عن 120 كلم2 وتدمير جسور الليطاني وإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي عن تعليمات بتسريع هدم منازل اللبنانيين في قرى الخطوط الأمامية، يبرز سؤالان لا يمكن فصلهما: هل يتجه الحزب نحو إعادة فرض سيطرته في الداخل لتعويض أي خسارة خارجية؟ وما خطورة إنشاء مخيم للنازحين في الكرنتينا، على مقربة من مرفأ بيروت؟ الربط بين الحدثين ليس افتراضًا سياسيًا، بل قراءة واقعية لمسار يتشكل تدريجيًا وقد يحمل في طياته مخاطر جدية على العاصمة والدولة.
تشير التجارب السابقة بوضوح إلى أن “الحزب”، كلما تعرض لضغط خارجي، يميل إلى التشدد داخليًا. هذا ليس بالضرورة عبر انفجار أمني واسع، بل من خلال تعزيز القبضة الأمنية، توسيع مناطق النفوذ، وإعادة ترتيب البيئة الحاضنة. وهنا تحديدًا يدخل ملف مخيم الكرنتينا كعنصر بالغ الخطورة.
على الأرض، العمل مستمر على بناء وتقسيم الهنغار الذي سيشكل المخيم ليكون مركز إيواء في الأسواق الاستهلاكية (في الكرنتينا قرب سوق السمك). حاليًا يجري تقطيعه بحيطان بلاستيكية إلى ما يشبه الغرف، وسيستقبل في البداية أكثر من 1000 نازح.
هل يستخدم النزوح لتطويق بيروت؟
عمليًا، إن إنشاء مخيم كبير للنازحين في الكرنتينا ليس مجرد قرار إنساني أو إداري، بل هو خطوة تحمل أبعادًا أمنية واستراتيجية عميقة. فالموقع بحد ذاته يطرح إشكاليات كبرى. الكرنتينا تقع في قلب منطقة شديدة الحساسية، قريبة من مرفأ بيروت، أحد أهم المرافق السيادية والاقتصادية. وأي خلل أمني في هذه البقعة لا يبقى محصورًا، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى شريان الاقتصاد اللبناني وإلى صورة الاستقرار في العاصمة.
من هنا، التخوف كبير من أن يستخدم الإيواء كمدخل غير مباشر لتطويق بيروت من خاصرتها البحرية، وقطع التواصل لاحقًا مع المتن وكسروان بشكل أساسي إذا تطورت الأوضاع داخليًا.
وما يثير الريبة أن مئات الآلاف من النازحين لن يجدوا بيوتًا للعودة إليها مع استمرار استجرار التدمير الإسرائيلي من قبل “حزب الله” ومشغليه في الحرس الثوري. كما إن إعادة الإعمار معلّقة على حبال أموال غير متوافرة لا من الداخل ولا من الخليج، ما يعني أن الموقت سيتحوّل إلى دائم، والوضع الطارئ سيصبح أمرًا واقعًا يستحيل تفكيكه على غرار الأوزاعي وأحياء في النبعة وغيرها من الكانتونات. كما إن سوء إدارة ملف النازحين السوريين من قبل الدولة لا تزال من دون نسيان.
منسوب القلق يغذيه أيضًا إعلان “حزب الله” جهارًا تنسيقه المباشر مع الحرس الثوري الإيراني، ما يجعل المخاوف مشروعة من إنتاج حزام من النازحين يمكن استثماره في لحظة انهيار أمني.
رفض نقابي وتحذير من كارثة وشيكة
أمام كل ذلك، خرجت نقابة مالكي الشاحنات العمومية في مرفأ بيروت وهي أم الصبي عن صمتها. إذ أعلنت “رفضها المطلق والحاسم لأي قرار يقضي باستعمال العقار الملاصق لمرفأ بيروت من أجل إيواء النازحين، لما ينطوي عليه هذا الإجراء من أخطار جسيمة وانعكاسات سلبية مباشرة على سلامة النازحين، وعلى حسن سير العمل في المرفأ”.
ورأت النقابة أن “أي تجمّع بشري بهذا الحجم بالقرب من مرفق حيوي وحسّاس كمرفأ بيروت قد يجعله عرضة لمخاطر أمنية بالغة، ولا سيما في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، بما قد يعرّض النازحين أنفسهم أولاً، كما جميع العاملين في المرفأ وسائر الموجودين فيه، لأخطار جسيمة لا يجوز المجازفة بها تحت أي ظرف”.
الكرنتينا تستحضر أشباح الماضي
المخاوف لا تتوقف عند الموقع. طبيعة المخيمات في لبنان، وفق ما تثبت التجارب، تجعلها عرضة للتحوّل إلى بيئات غير مضبوطة أمنيًا، خصوصًا في ظل غياب إدارة صارمة وواضحة. كما يخلق الحديث عن آلاف النازحين في مساحة محدودة، مع اختلافات سياسية داخلية، بيئة قابلة للاحتكاك والتوتر. ومع وجود طرف مسلح كـ “حزب الله”، يصبح احتمال استثمار هذا الواقع قائمًا لمآرب داخلية، وأحداث 7 أيار والقمصان السود وعين الرمانة شاهدة على ذلك.
الأخطر هو البعد العسكري المحتمل. ففي ظل الصراع مع إسرائيل، قد تتحوّل أي منطقة يشتبه بأنها تضم بنى أو عناصر مرتبطة بـ “الحزب” إلى هدف. وقد يضع وجود مخيم قريب من المرفأ، في منطقة مفتوحة ومكتظة، المدنيين في قلب معادلة عسكرية خطيرة.
إلى جانب كل ذلك، لا يمكن تجاهل الذاكرة اللبنانية. الكرنتينا ليست مجرد حي عادي، بل منطقة لها رمزية تاريخية مرتبطة بالحرب والصراعات الدموية. وقد يعيد إعادة إدخال عنصر “المخيم” إلى هذه الجغرافيا تحديدًا، في ظل توتر طائفي وسياسي، إنتاج مخاوف قديمة ويغذي احتقانًا اجتماعيًا خطيرًا. والرفض الشعبي الذي بدأ يظهر ليس تفصيلاً، بل مؤشر على حجم الرفض والاستعداد لمواجهة السيناريو المفروض عند تخوم الاشرفية.
بيروت: من عاصمة إلى ساحة صراع مفتوحة!
عند الربط بين المسارين، تتضح الصورة أكثر. إذا كان “الحزب” يتجه نحو تشديد قبضته الداخلية، وفي الوقت نفسه ينشأ مخيم كبير في موقع حساس، فإن النتيجة المحتملة هي التداخل بين الأمني والإنساني ولا سيما أن المخيم قد يتحوّل، عن قصد أو عن غير قصد، إلى مساحة نفوذ، أو نقطة تماس، أو حتى ورقة في لعبة التوازنات الداخلية. فبدلاً من أن يكون المخيم حلًا لأزمة النزوح، قد يصبح جزءًا من أزمة أكبر، تتعلق بأمن العاصمة واستقرارها، ما يفاقم التوتر بين عصابة “حزب الله” وباقي المكونات اللبنانية.
في المحصلة، بيروت أمام اختبار إحباط الانقلاب الكبير كي لا تصبح ساحة مفتوحة أمام كل الاحتمالات.



