
الضاحية الجنوبية في عيد مختلف: الدمار يثقل المكان وإرادة السكان تتمسك بالبقاء
الضاحية الجنوبية في عيد مختلف: الدمار يثقل المكان وإرادة السكان تتمسك بالبقاء
يأتي عيد هذا العام مختلفاً في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تبدو الشوارع هادئة على غير العادة، بعدما أجبرت الحرب آلاف العائلات على مغادرة منازلها. مبانٍ متضررة تسأل عن سكانها الغائبين، وطرقات فقدت صخبها المعتاد الذي كان يميز صباحات العيد في السنوات الماضية.
منذ أسابيع، يعيش كثير من سكان الضاحية بعيداً عن منازلهم، في ظل التحذيرات الأمنية والغارات المتكررة التي دفعتهم إلى النزوح. ومع حلول العيد، عاد بعضهم لساعات محدودة فقط لتفقد بيوتهم أو استعادة ما تبقى من أغراضهم الشخصية، في زيارات خاطفة فرضتها الظروف.
في عدد من الشوارع، يمكن مشاهدة سيارات ودراجات نارية محملة بأغراض منزلية متفرقة: فرش مطوية، أكياس، وأشياء صغيرة نجت من الدمار. مشهد يوحي بعملية إنقاذ للذكريات أكثر مما هو نقل للأثاث، إذ يحاول الأهالي استرجاع ما تبقى من تفاصيل حياتهم اليومية.
وخلال هذه اللحظات، دوى صوت اختراق الطائرات الحربية لجدار الصوت في سماء المنطقة، ما أدى إلى توقف الحركة للحظات ورفع الأنظار نحو السماء خوفاً من تجدد القصف. لم يكن هناك استهداف مباشر، لكن الصوت وحده كان كافياً لإعادة التذكير بأن الأمان ما زال بعيد المنال.
ورغم آثار الدمار التي طالت أجزاء واسعة من المنطقة، لا يزال السكان يتمسكون بفكرة البقاء والعودة. فبالنسبة لكثيرين منهم، الضاحية ليست مجرد مكان للسكن، بل مساحة حياة تشكلت عبر عقود من النزوح الداخلي والهجرة من مناطق مختلفة في لبنان، خصوصاً من الجنوب والبقاع.
ومع مرور الوقت، تحولت الضاحية إلى ما يشبه مدينة قائمة بذاتها داخل العاصمة، حيث نقل سكانها معهم عاداتهم وذاكرتهم الاجتماعية، ليعيدوا تشكيل المكان وفق نمط حياتهم وثقافتهم. بالنسبة لهم، لم تكن الضاحية مجرد محطة مؤقتة، بل تحولت تدريجياً إلى موطن دائم يعكس تجاربهم المشتركة.
وخلال الحرب الحالية، تعرضت المنطقة لخسائر كبيرة، إذ تشير تقديرات إلى تدمير نحو ألفي وحدة سكنية منذ بداية المواجهات. ولا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي أثقلت حياة السكان وأجبرت كثيرين على النزوح.
ومع ذلك، لا تزال فكرة إعادة البناء حاضرة بقوة في أحاديث الأهالي، الذين يرون في العودة وإعادة الإعمار شكلاً من أشكال الصمود. فبالنسبة لهم، الضاحية ليست مجرد مساحة جغرافية، بل رمز لحياة أعادوا بنائها أكثر من مرة، وإرادة جماعية ترفض التخلي عن المكان رغم كل ما مرّ به من أزمات.



