
هل يستطيع دونالد ترامب فرض نهاية الحرب على إيران؟ تساؤلات حول معنى «الاستسلام» وحدود القوة العسكرية
هل يستطيع دونالد ترامب فرض نهاية الحرب على إيران؟ تساؤلات حول معنى «الاستسلام» وحدود القوة العسكرية
مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، يتضح أن إدارة الرئيس الأميركي Donald Trump لا تكتفي بإدارة العمليات العسكرية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى صياغة شكل نهاية الحرب سياسياً بالتوازي مع تطوراتها الميدانية.
خلال فترة قصيرة، تغيّر الخطاب الأميركي من التركيز على تعطيل البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين إلى طرح مطلب أكثر اتساعاً يتمثل في «الاستسلام غير المشروط». بل إن تصريحات ترامب حملت إيحاءات بدور أميركي محتمل في تحديد القيادة السياسية المقبولة في إيران مستقبلاً، وهو تحول يعكس تصعيداً واضحاً في سقف الأهداف السياسية للحملة العسكرية.
وفي أحدث تصريحاته، حذّر ترامب من أن إيران قد تتعرض لضربة قاسية للغاية، ملمّحاً إلى احتمال توسيع قائمة الأهداف العسكرية لتشمل مواقع ومجموعات لم تكن مدرجة سابقاً. وجاء هذا التصعيد بعد خطاب الرئيس الإيراني Masoud Pezeshkian الذي قدّم فيه اعتذاراً لدول الجوار عن تداعيات الصراع، لكنه أكد في الوقت نفسه رفض بلاده لفكرة الاستسلام.
ويبدو أن الرئيس الأميركي يسعى إلى تحقيق انتصار واضح وسريع يمكن تسويقه داخلياً، إلا أن المعطيات الحالية على الأرض لا تعكس تحقيق هذا الهدف بسهولة. ففي حال لم تؤدّ الضربات الجوية المكثفة إلى استسلام إيراني أو إلى انقسام داخلي حاسم، قد تجد واشنطن نفسها أمام خيارين صعبين: إما خفض سقف مطالبها السياسية وقبول تسوية أقل طموحاً، أو الانتقال إلى مرحلة تصعيد أكبر قد تشمل عمليات برية، وهو مسار يحمل مخاطر توسيع الحرب وتحويلها إلى صراع طويل في المنطقة.
هذا التحول في الخطاب الأميركي لا يُعد مجرد تصعيد لفظي، بل يشير إلى انتقال في طبيعة الأهداف من محاولة تغيير سلوك النظام الإيراني إلى السعي لفرض صيغة خضوع تُضعف قدرته على المقاومة أو تعيد تشكيل السلطة داخله. ومع ذلك، حاول بعض مساعدي ترامب تخفيف وقع عبارة «الاستسلام»، موضحين أنها قد تعني ببساطة وصول إيران إلى مرحلة تفقد فيها القدرة على تهديد الولايات المتحدة، وليس بالضرورة إعلان هزيمة رسمي من طهران.
بدوره، أشار ترامب إلى أن نهاية الحرب قد تتحقق عندما تصبح إيران غير قادرة على مواصلة القتال، ما يجعل تعريف النصر واسعاً وقابلاً للتأويل، ويترك الباب مفتوحاً أمام استمرار العمليات لفترة أطول.
هذه النقطة تحديداً تعكس إحدى الإشكاليات الرئيسية في الاستراتيجية الأميركية، إذ إن توسيع الأهداف السياسية يقلل من قدرة الضربات الجوية وحدها على تحقيقها. فالقصف الجوي قادر على تدمير منشآت عسكرية ومخازن أسلحة وبنى تحتية، لكنه لا يخلق تلقائياً سلطة سياسية بديلة، ولا يضمن انهيار النخبة الحاكمة التي قد ترى في الصمود جزءاً من شرعيتها.
في واشنطن، لا تقتصر الانتقادات على مخاطر التصعيد، بل تشمل أيضاً التبدل المستمر في مبررات الحرب وأهدافها. وتشير تقارير إعلامية إلى أن التحضيرات العسكرية للعملية استمرت لأشهر، إلا أن النقاش حول مرحلة «اليوم التالي» بقي محدوداً. وتتمحور الأسئلة الأساسية حول من قد يدير إيران في حال انهيار القيادة الحالية، وما إذا كانت واشنطن تسعى لإسقاط النظام بالكامل أم فقط لإضعاف قدراته العسكرية.
وبحسب ما أوردته صحيفة The Wall Street Journal، فإن جزءاً من هذا الغموض قد يكون مقصوداً للحفاظ على مرونة الخيارات أمام الإدارة الأميركية بحسب تطورات المعركة. غير أن منتقدين يرون في ذلك غياباً لخطة سياسية واضحة المعالم.
هذا التباين ظهر أيضاً في اختلاف التصريحات داخل الإدارة الأميركية نفسها. ففي حين تحدث ترامب مراراً عن إمكانية ظهور قيادة جديدة في إيران، ركّز مسؤولون كبار على هدف أكثر تحديداً يتمثل في تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية ومنع دعم الجماعات الحليفة لطهران في المنطقة، مع التأكيد على عدم الانخراط في مشروع لإعادة بناء دولة كما حدث في حربي العراق وأفغانستان.
مع ذلك، فإن استمرار رفع سقف التصريحات السياسية خلق حالة من الغموض لدى الحلفاء والكونغرس وحتى داخل المؤسسات الأميركية بشأن الهدف النهائي للحرب: هل هي حملة عسكرية محدودة للردع أم محاولة لتفكيك النظام الإيراني بالكامل؟
ومن منظور تكتيكي، قد يكون هذا الغموض أداة ضغط على القيادة الإيرانية، إذ يمنح واشنطن هامشاً أوسع للمناورة ويمنع حصر الحرب في هدف يمكن تقييم نجاحه أو فشله بسهولة. لكن لهذا الأسلوب أيضاً تبعات واضحة، أبرزها تشويش الرسائل الاستراتيجية وتقليص فرص الحلول الدبلوماسية.
في المقابل، تشير تقديرات استخبارية أميركية إلى أن الحملة العسكرية، حتى لو اتسعت، قد لا تؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني. فقد خلص تقرير لمجلس الاستخبارات الوطني إلى أن مؤسسات الدولة الإيرانية، خصوصاً العسكرية والدينية، تمتلك آليات للحفاظ على استمرارية السلطة حتى في حال فقدان قادتها الرئيسيين.
ويعني ذلك أن الضربات المكثفة قد تُضعف القدرات العسكرية الإيرانية لكنها لا تضمن بالضرورة ظهور بديل سياسي سريع من الداخل، خصوصاً في ظل غياب معارضة موحدة قادرة على ملء الفراغ.
ميدانياً، حققت الحملة الجوية إنجازات عملياتية، من بينها تقليص كثافة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وتوسيع حرية الحركة الجوية للقوات الأميركية والإسرائيلية. غير أن الهجمات الإيرانية باستخدام مسيّرات منخفضة الكلفة ما زالت قادرة على اختراق بعض الدفاعات وإلحاق خسائر في مواقع مختلفة بالمنطقة، ما يبرز حدود التفوق الجوي في مواجهة حرب استنزاف تعتمد على الطائرات غير المأهولة.
في الوقت نفسه، تتحرك الولايات المتحدة لتعزيز حضورها العسكري في المنطقة، مع تقارير عن توجه حاملة طائرات إضافية إلى مسرح العمليات. ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بالضغط الجوي والبحري، أم أن مسار الحرب قد يدفعها في نهاية المطاف إلى تدخل بري محدود.
حتى الآن لا توجد مؤشرات مؤكدة على اتخاذ قرار بهذا الاتجاه، إلا أن استبعاد هذا الخيار لم يحدث بشكل كامل أيضاً. ويُحذر محللون من أن أي تدخل بري، حتى لو كان محدوداً، قد يحول الصراع من حملة ردع سريعة إلى حرب طويلة ومعقدة، خصوصاً في ظل غياب دعم شعبي واسع داخل الولايات المتحدة لمثل هذا السيناريو.



