مقالات

كيف يدير “حزب الله” معركته المصيرية مع إسرائيل؟ تكتيكات الميدان ومعادلة الصمود

كيف يدير “حزب الله” معركته المصيرية مع إسرائيل؟ تكتيكات الميدان ومعادلة الصمود

بعد ستة أيام على عودته إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، يسعى “حزب الله” إلى إظهار أن قدراته العسكرية ما زالت فاعلة على الأرض، رغم الضربات الجوية المكثفة التي تعرض لها خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية. فقد استهدفت الغارات الإسرائيلية مناطق جنوب الليطاني وشماله، وهي مناطق تعتبرها تل أبيب مركز ثقل للحزب وبيئته الحاضنة، إضافة إلى كونها مناطق يُعتقد أنها تضم مخازن سلاح ومنصات صاروخية.

ورغم إعلان قادة الجيش الإسرائيلي أنهم استعدوا مسبقًا لسيناريو مواجهة واسعة مع الحزب، وسارعوا إلى تنفيذ خططهم العسكرية فور إطلاق أول صاروخ من الجانب اللبناني، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن انخراط “حزب الله” في المواجهة لم يكن خطوة رمزية أو شكلية، ولا مجرد تحرك لدعم إيران، بل يأتي ضمن معركة يراها الحزب مصيرية ومرتبطة بوجوده ودوره في المنطقة.

في هذا السياق، كثّف الحزب عملياته العسكرية على طول الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة، حيث تتنوع الهجمات بين إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه مستوطنات الشمال ومدن في العمق الإسرائيلي، إضافة إلى استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها إسرائيل. كما يعمل على التصدي لمحاولات التوغل البرّي في أكثر من محور حدودي، إلى جانب مواجهة عمليات الكوماندوس ومحاولات الإنزال داخل العمق اللبناني، وهو ما ظهر بوضوح بعد العملية الإسرائيلية في منطقة النبي شيت.

وتشير قراءات ميدانية لمراقبين إلى أن الحزب يعتمد في هذه المرحلة تكتيكًا عسكريًا متعدد المستويات، يجمع بين عدة أنماط قتالية في وقت واحد. وقد تجلى ذلك خلال الأسبوع الأول من الحرب، من خلال تصاعد وتيرة العمليات وتطور نوعية الهجمات، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، وهو ما تعكسه البيانات العسكرية التي يصدرها الحزب يوميًا.

وتفيد مصادر متابعة أن “حزب الله” يدير في الوقت نفسه أكثر من جبهة برية وجوية، مستندًا إلى مجموعة عوامل أساسية تمنحه القدرة على الاستمرار في المواجهة. ويتمثل العامل الأول في احتفاظه بعدد من منصات إطلاق الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وهي عنصر حيوي في المعركة، إذ يمكن استخدام المنصة الواحدة مرات متعددة لإطلاق عشرات الرشقات الصاروخية، على عكس الصاروخ الذي يستخدم مرة واحدة فقط. ورغم أن إسرائيل استهدفت عددًا كبيرًا من هذه المنصات خلال الأشهر الماضية، فإن الحزب تمكن من الحفاظ على جزء منها وإبقائها قيد الاستخدام.

أما العامل الثاني فيتعلق بسرعة إعادة انتشار مقاتلي الحزب وجهوزيتهم. ووفق معلومات ميدانية، أعاد الحزب تنظيم تموضع قواته ضمن ثلاث مناطق عملياتية: جنوب الليطاني بما في ذلك الخطوط الأمامية، وشمال الليطاني وصولًا إلى منطقة الأولي، إضافة إلى منطقة البقاع حتى الحدود الشمالية والشرقية. كما جرى إنشاء قيادات عسكرية منفصلة لكل منطقة، تعمل بشكل مستقل ميدانيًا لكنها تتلقى التعليمات مباشرة من القيادة المركزية، مع توزيع واضح للمهام والاختصاصات العملياتية داخل كل قطاع.

العامل الثالث يتمثل في منظومة الرصد والمراقبة التي يعتمدها الحزب لمتابعة أي تحركات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، سواء في الجنوب أو في البقاع. وتتيح هذه المنظومة سرعة الرد على محاولات التوغل، كما حدث في عدة نقاط ميدانية خلال الأيام الماضية، من بينها وادي العصافير في وطى الخيام، وخراج العديسة وكفركلا في القطاع الشرقي، إضافة إلى منطقة المثلث بين عيتا الشعب وراميا والقوزح في القطاع الأوسط.

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، يبرز سؤال أساسي حول المدة التي يمكن للحزب أن يصمد خلالها في هذه المواجهة. وتشير تقديرات أوساط متابعة إلى وجود عدة سيناريوهات محتملة قد تحدد مسار المعركة. أحد هذه السيناريوهات يتمثل في حدوث اختراق دبلوماسي يفضي إلى وقف إطلاق النار، ما يمنح الحزب فرصة لإعادة ترتيب صفوفه عسكريًا. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار المواجهة لفترة محددة من دون أن تصل إلى مرحلة استنزاف كامل لقدراته العسكرية ومخزونه من الصواريخ والمقاتلين. في المقابل، يبقى السيناريو الثالث مرتبطًا بإمكانية نجاح إسرائيل في إضعاف أو القضاء على القدرة الصاروخية للحزب.

مع ذلك، ترى هذه الأوساط أن مآلات أي من هذه السيناريوهات لن تتحدد فقط داخل الساحة اللبنانية، بل ستبقى مرتبطة إلى حد كبير بمسار الصراع الأوسع في المنطقة، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي مواجهة قد تحدد نتائجها ليس فقط مستقبل “حزب الله” أو لبنان، بل التوازنات في الشرق الأوسط ككل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce