مقالات

أزمة السكن تتفاقم مع موجة النزوح… الإيجارات ترتفع بشكل غير مسبوق والنازحون يبحثون عن مأوى بأي ثمن

أزمة السكن تتفاقم مع موجة النزوح… الإيجارات ترتفع بشكل غير مسبوق والنازحون يبحثون عن مأوى بأي ثمن

لم تكد العائلات التي غادرت منازلها في الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان والبقاع تحت وقع الغارات والصواريخ تستوعب صدمة النزوح القسري، حتى وجدت نفسها أمام تحدٍ جديد يتمثل في البحث عن مأوى آمن. فمع اندلاع موجة النزوح المفاجئة، تحوّلت عملية العثور على مسكن إلى مهمة شاقة وسط ارتفاع كبير في أسعار الإيجارات ونقص ملحوظ في الشقق المتاحة.

بعض العائلات استطاعت الاحتماء لدى أقارب أو معارف في مناطق أبعد عن دائرة الاستهداف، إلا أن كثيرين اضطروا لقضاء لياليهم الأولى داخل سياراتهم أو التنقل بين الأحياء بحثاً عن منزل يؤويهم مؤقتاً. ومع ارتفاع الطلب بشكل مفاجئ، أصبحت مكاتب العقارات والسماسرة محطّ تواصل مكثف من النازحين، فيما تحولت الهواتف وتطبيقات المراسلة إلى منصات لتبادل صور الشقق المتاحة وعرضها بسرعة كبيرة، وغالباً ما تُحجز خلال دقائق لمن يدفع أكثر أو يسارع إلى تحويل المبلغ المطلوب.

ويشير عدد من النازحين إلى أن المنافسة على الشقق أصبحت حادة، إذ تُفضَّل العروض الأعلى مالياً، حتى لو كان الاتفاق الأولي قد تم مع مستأجر آخر. ففي إحدى الحالات، وافقت عائلة على استئجار شقة مقابل 1600 دولار مع دفع ستة أشهر مقدماً، لكنها فوجئت بعد أقل من ساعة بأن المالك أجرها لشخص آخر مقابل 2600 دولار.

ويرى متابعون أن الأزمة تعود أساساً إلى الفجوة الكبيرة بين الطلب المرتفع والعرض المحدود في المناطق التي تُعتبر أكثر أماناً نسبياً. فعدد الشقق المتاحة أصلاً محدود، فيما يفضّل بعض المالكين إبقاء منازلهم مغلقة بسبب المخاوف الأمنية أو انتظار ارتفاع إضافي في الأسعار، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغط على السوق العقارية.

هذه الظروف دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث بات كثير من النازحين يقبلون بأي خيار متاح لتأمين مأوى لأسرهم. وتقول إحدى السيدات النازحات إن أقل شقة مناسبة وجدتها لعائلتها تجاوزت 1500 دولار شهرياً، مع شروط دفع مسبق لعدة أشهر وتأمين إضافي، ما يرفع المبلغ المطلوب إلى آلاف الدولارات دفعة واحدة.

ولا تقتصر المعاناة على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تشمل أيضاً شروطاً مالية معقدة، مثل دفع عدة أشهر سلفاً إضافة إلى عمولة مكتب العقارات والتأمين، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على العائلات التي غادرت منازلها على عجل من دون استعداد مالي كافٍ.

كما أشار نازحون إلى أن بعض أصحاب الشقق يجرون تدقيقاً إضافياً في خلفيات المستأجرين المحتملين، فيسألون عن مناطق قدومهم أو طبيعة عملهم وحتى انتماءاتهم السياسية، بدافع القلق الأمني. ويقول بعضهم إن هذه الأسئلة تجعلهم يشعرون وكأنهم موضع شبهة رغم أنهم اضطروا إلى مغادرة منازلهم هرباً من الحرب.

وفي ظل هذا الواقع، يواجه العديد من النازحين صعوبة مضاعفة في العثور على منزل، خصوصاً مع تسجيل حالات رفض للتأجير في بعض المناطق خوفاً من تداعيات أمنية محتملة. ومع محدودية الخيارات وارتفاع الأسعار إلى مستويات تقترب أحياناً من أسعار الفنادق، باتت رحلة البحث عن سكن مؤقت معركة يومية بالنسبة لكثير من العائلات.

ويرى مراقبون أن الأزمة مرشحة للتفاقم في حال استمرار النزوح لفترة أطول، خصوصاً في ظل غياب آليات واضحة لضبط الأسعار أو تنظيم السوق العقارية في الظروف الطارئة. وبين ارتفاع الإيجارات وشح المساكن، يجد آلاف النازحين أنفسهم يدفعون ثمن الحرب مرتين: مرة عند مغادرة منازلهم، ومرة أخرى في مواجهة سوق عقارية لا تراعي ظروفهم الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce